مليار دولار للصحة .. و النتيجة مستشفيات منهارة و فساد بلا حساب

خلال خمس سنوات من تدفق المساعدات والتمويلات الدولية على قطاع الصحة في اليمن، ظل الواقع الصحي كما هو، بل وأكثر سوءاً في بعض المحافظات، فيما تتصاعد الشكوك حول مصير أكثر من مليار دولار يفترض أنها خُصصت لإنقاذ القطاع وتخفيف معاناة المواطنين.


فبدلاً من أن تنعكس تلك الأموال على المستشفيات الحكومية والمراكز الصحية في المحافظات المحررة، وتُترجم إلى أجهزة طبية، ومختبرات، وأقسام غسيل كلى، وتأهيل للبنية التحتية المنهارة، بقيت المرافق الصحية في حالة بائسة، بلا تجهيزات، وبلا خدمات تليق بالناس، وبلا أثر حقيقي لما قيل إنه دعم دولي واسع لقطاع الصحة.


والأخطر من ذلك أن الجزء الأكبر من هذه المساعدات ظل يذهب إلى مناطق سيطرة مليشيات الحوثي، بينما تُركت عدن وسائر المدن المحررة تواجه وحدها الانهيار، في مشهد يكشف اختلالاً فاضحاً في توزيع الدعم، وغياباً كاملاً للعدالة والشفافية، وتواطؤاً صامتاً مع منظومة عبثت بالمساعدات وحوّلتها إلى أدوات نفوذ ومصالح.


وفي الوقت الذي كان يفترض أن تبني وزارة الصحة منظومة صحية صلبة، وتُشغّل المستشفيات، وتُعزز قدرات الكوادر الطبية، وتوفر الدواء والخدمة للمواطن، تحوّل المشهد إلى سلسلة من الزيارات الخارجية واللقاءات والنداءات المتكررة طلباً لمزيد من التمويل، دون أي كشف حقيقي عن أين ذهبت الأموال السابقة، وكيف صُرفت، ومن استفاد منها، ولماذا لم يلمس المواطن أي تغيير.
أما الحديث عن إنفاق تلك المبالغ على رواتب ونفقات تشغيلية وأدوية بقيت في المخازن حتى انتهت صلاحيتها، فهو ليس مجرد اتهام عابر، بل مؤشر خطير على سوء إدارة وفساد ممنهج أضاع المال العام والمساعدات الدولية، وكرّس واقعاً صحياً أكثر هشاشة. فكيف يمكن تفسير مليارات صُرفت باسم الصحة، بينما ما يزال المواطن يواجه المستشفيات الحكومية ذاتها التي تفتقر لأبسط التجهيزات، وما تزال الكوادر الطبية نفسها تعاني من الجوع والعجز والإهمال؟.


إن وزارة الصحة، بقيادتها الحالية، مطالبة اليوم لا بالخطب والشكوى، بل بكشف حساب واضح وشامل: ماذا استُلم؟ أين صُرف؟ ومن المسؤول عن هذا الفشل؟ لأن استمرار الصمت لا يعني إلا شيئاً واحداً: أن ما جرى لم يكن عجزاً إدارياً فحسب، بل شبكة فساد تستنزف قطاعاً حيوياً وتبيع معاناة الناس على حساب حياتهم.