هذا الرجل.. سلوك في روح الوطن
خالد هيثم
يمتهن رجل الخير والعطاء ، رياض عبدالجبار الجبار الحروي ، أفعال الخير، على خارطة مفتوحة من المح...
تُعد هوية الجنوب العربي مفهوماً يجمع بين الأبعاد الجغرافيةالتاريخية،والسياسية التي تبلورت بشكل بارز منذ قرون، وهي تعبر عن الوجدان الثقافي والوطني للسكان في المنطقة الممتدة من باب المندب غرباً إلى حدود عُمان شرقاً
تتصل هوية الجنوب العربي جغرافياً بالمنطقة الواقعة في جنوب شبه الجزيرة العربية، وتاريخياً ترتبط بحضارات قديمة ضاربة في الجذور مثل قتبان، وأوسان، وحضرموت.. تقوم الهوية على نسيج يجمع بين النظام القبلي الأصيل والحياة المدنية المتطورة التي شهدتها عدن كمركز تجاري عالمي بالقرن العشرين..وتأثرت الهوية الجنوبية بالانفتاح على البحر العربي وخليج عدن، مما جعلها حلقة وصل بين الشرق والغرب، وخلال هذه الفترة، بدأت تتشكل ملامح الدولة الحديثة من جيش (جيش الليوي والجيش الاتحادي)، وعملة (دينار الجنوب العربي)، وجوازات سفر خاصة
تتميز هذه الهوية بخصائص ثقافية فريدة تشكلت نتيجة التراكم التاريخي لتشمل الهوية مناطق ذات خصوصيات ثقافية مثل حضرموت، وشبوة، والمهرة، ولحج، وأبين، والضالع، وعدن، وسقطرى، حيث يجمعهم قاسم لغوي واجتماعي مشترك عنوانه الجنوب العربي
عرف المجتمع الجنوبي تاريخياً بالوسطية الدينية والانفتاح التجاري والثقافي، وهو ما ساهم في نشر الإسلام في شرق آسيا وأفريقيا عبر الهجرات الحضرمية
وتعد العلاقة التاريخية بين ابناء الجنوب العربي الازلية ضاربة جذورها في الارض،بذلك لايستطيع احد انها هذا الترابط مهما حاولوا التشكيك،وفكفكة النسيج الاجتماعي
هنا نسرد جزء من الترابط التاربخي لابناء الجنوب العربي والمتمثلة بالاتي
يافع وحضرموت من أهم الروابط القبلية والسياسية في جنوب الجزيرة العربية،اذ لعبت يافع دوراً محورياً وحاسماً في دعم السلطنات والمشيخات الحضرمية لمواجهة التمدد الزيدي (الدولة القاسمية) في القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي)،اذ تمثل هذا الدعم والسياق التاريخي له
عندما بدأ الأئمة القاسميون بالتوسع جنوباً وسيطروا على مناطق واسعة منه، حيث اتجهت أنظارهم نحو حضرموت. في تلك الفترة، وكانت السلطنات في حضرموت (مثل السلطنة الكثيرية وغيرها) تعاني من صراعات داخلية وضعف عسكري أمام القوات القادمة من الشمال لهكذا قام السلاطين الكثيريون، وعلى رأسهم السلطان بدر بن محمد المردوف، بطلب النجدة من قبائل يافع لما عرف عنهم من بأس شديد في القتال
لم يكن الدعم مجرد إرسال مقاتلين لفترة مؤقتة، بل تحول إلى استيطان عسكري وسياسي
وبعد وصول جيوش الدفاع الجنوبي وصلت أفواج كبيرة من قبائل يافع (بمختلف مكاتبها العشرة) إلى حضرموت وشاركت في معارك طاحنة لصد الجيوش الزيدية
وساهم جيش التحرير الجنوبي في إخراج الحاميات الزيدية من المدن الحضرمية وتثبيت دعائم الحكم المحلي هناك.
لم يقتصر الامر فقط على النصرة بل امتد من “جنود” إلى “حكام بعد نجاح يافع في صد الغزو، ولم يغادروا حضرموت، بل أصبحوا جزءاً من نسيجها اااجتماعي
أدى هذا الوجود إلى تأسيس كيانات سياسية يافعية قوية داخل حضرموت، وأبرزها:
السلطنة القعيطية: (من يافع) التي اتخذت من المكلا والشحر عواصم لها وأصبحت القوة الضاربة في حضرموت انذاك
وانتقلت آلاف الأسر اليافعية إلى حضرموت، مما خلق ما يُعرف اليوم بـ يافع حضرموت، وهم جزء لا يتجزأ من المجتمع الحضرمي حالياً
نعم، كان دعم يافع هو القوة الأساسية التي استندت إليها حضرموت لكسر الغزو الزيدي، وهو الدعم الذي تحول لاحقاً إلى شراكة حكم وبناء لواحد من أرقى النظم الإدارية في المنطقة (السلطنة القعيطية)
شهدت خارطة الجنوب العربي في منتصف القرن العشرين مخاضاً سياسياً عسيراً، انتقلت خلاله المنطقة من تشتت المشيخات والسلطنات إلى محاولات جادة لبناء كيان فدرالي حديث. ورغم الخلط الشائع في الأدبيات المعاصرة، يبرز فارق جوهري بين “اتحاد إمارات الجنوب العربي” كخطوة تأسيسية، وبين “اتحاد الجنوب العربي” كمشروع دولة استوعب عدن المدنية في قلب محيطها القبلي.
اذ كانت النواة الأولى تاسيس اتحاد الستة الكبارفي 11 فبراير 1959، لم يكن العالم يشهد مجرد تحالف سياسي، بل ولادة “اتحاد إمارات الجنوب العربي هذا الكيان الذي انطلق بست إمارات (العواذل، الفضلي، يافع السفلى، الضالع، بيحان، والعوالق العليا)، كان يمثل محاولة بريطانية لتأمين “المحميات الغربية” ضد تمدد التيارات القومية والتمدد اليمني جنوبا ويعد اتحاداً ريفياً بامتياز، غابت عنه عدن “المستعمرة” بثقلها الاقتصادي والقانوني
بعد هذا جاء التحول الكبير المتضمن احتضان عدن “الاتحاد”لتشكل نقطة التحول الفارقة في عام 1962، حين سقطت كلمة “إمارات” من المسمى ليصبح “اتحاد الجنوب العربي” لم يكن التغيير لفظياً فحسب، بل كان إيذاناً بانتقال المشروع من طابعه القبلي إلى طابع “الدولة الفدرالية”.
وبحلول عام 1963، حدث الاندماج التاريخي بانضمام مستعمرة عدن إلى الاتحاد، ليتشكل كيان يجمع بين حداثة الميناء العالمي وأنظمة الحكم التقليدية في الداخل، مدعوماً بمؤسسات سيادية وجيش اتحادي نظامي، وعاصمة إدارية جديدة هي “مدينة الاتحاد” (مدينة الشعب حالياً).
وبذلك وصفت المرحلة بانها رحلة التطور من 1959 إلى 1967.. وبرز وجه الاختلاف بين اتحاد إمارات الجنوب العربي (1959)،واتحاد الجنوب العربي (1962 – 1967) بتخلق حلف قبلي – سياسي” للمحميات الغربية وبمشروع دولة فدرالية متكاملة الأركان ليصبح مركز الثقل المشيخات والسلطنات التقليدية عدن كمركز ثقل قانوني واقتصادي (منذ 1963)
وشكل الاتحاد تنسيق أمني تحت إشراف بريطاني حكومة مركزية وجيش اتحاد نظامي موحد للنطاق الجغرافي محصور في المحميات الغربية امتد ليشمل أغلب الجنوب مع محاولات لضم الشرق
إن الفارق بين الكيانين هو الفرق بين “النواة”و”الشجرة”؛ فبينما كان اتحاد الإمارات محاولة لتنظيم الصفوف التقليدية، كان اتحاد الجنوب العربي هوية سياسية سعت لصهر التباينات الجغرافية في قالب واحد، وهو المشروع الذي انتهى في نوفمبر 1967م بقيام جمهورية الجنوب العربي