تطبيق مبادرة الحوكمة العالمية وبناء مستقبل السلام في العالم بشكل مشترك
في عام 2025، وفي محطة تاريخية بالغة الأهمية، تزامناً مع الذكرى الثمانين لانتصار الحرب العالمية ضد ال...
تواصلا لفعالية البرنامج التدريبي حول "العدالة الانتقالية الأطر والأليات" في عدن عقدت يوم امس الثلاثاء الموافق ١- سبتمبر ٢٠٢٦ الجلسة الرابعة النقاشية عن " العدالة الانتقالية في السياق اليمني"، والتي استعرض فيها القاضي محمد الهتار التسلسل الزمني والسياسي لهذا الملف من فترة مؤتمر الحوار الوطني (2013-2014) وصولًا إلى واقع الحرب والانقسام المؤسسي واتساع نطاق الانتهاكات وتعقد سبل الوصول إلى العدالة في المرحلة الراهنة..
وفي الجلسة، أوضح القاضي الهتار أن العدالة الانتقالية تقوم على أربع ركائز أساسية لا يجوز تجزئتها، وهي كشف الحقيقة والمساءلة، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار عبر الإصلاح المؤسسي والتشريعي. وأشار إلى أن كشف الحقيقة لا يقتصر على توثيق الوقائع، بل يشمل فهم أنماط الانتهاكات وسياقاتها وآثارها.
وسلطت الجلسة الضوء على عدد من المحطات الرئيسية في المسار اليمني، بدءًا من المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية عام 2011 وقانون الحصانة، مروراً بإنشاء اللجان المختصة بالتحقيق في الانتهاكات ومعالجة قضايا الأراضي والموظفين المبعدين، وما أفرزه مؤتمر الحوار الوطني من مخرجات تتعلق بالحقيقة والمساءلة وجبر الضرر والإصلاح وضمان عدم التكرار، وصولاً إلى مسودة الدستور الصادرة في يناير 2015، التي حاولت نقل جانب من تلك المخرجات إلى ضمانات دستورية مقترحة، لكنها لم تدخل حيز النفاذ.
وتوقف القاضي الهتار عند تعقّد الملف بين عامي 2015 و2026 نتيجة اتساع نطاق الحرب، وتنوع أنماط الانتهاكات التي تناولتها أعمال الرصد والتوثيق، ومنها الاحتجاز التعسفي والتعذيب وتجنيد الأطفال والغارات الجوية التي أوقعت ضحايا مدنيين. كما أشار إلى تعدد الأطراف والجهات ذات الصلة، وتعقّد سلاسل القيادة، وما يثيره ذلك من تحديات قانونية وعملية أمام التحقيق وتحديد المسؤولية وفقًا للأدلة والقانون.
واستعرضت الجلسة الأدوار الحالية للأجهزة والهيئات الوطنية، ومنها اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، والنيابة العامة، والمحاكم المختصة، ومجلس القضاء الأعلى، وهيئة التشاور والمصالحة، إلى جانب الوزارات المعنية والمجتمع المدني وروابط الضحايا. وأوضح أن تعدد الجهات يتطلب تحديدًا دقيقاً للأدوار والجهة القائدة في كل مرحلة، مع قواعد واضحة للإحالة وتبادل المعلومات وحماية البيانات والمتابعة؛ إذ يؤدي غياب هذه الترتيبات إلى انقطاع مسار الملفات وتشتت المسؤولية بين المؤسسات.
وأكد القاضي الهتار خلال النقاش على وجود عقبات جوهرية تبطئ تحقيق العدالة، أبرزها ضعف التنسيق بين الآليات والهيئات الوطنية، وعدم انتظام انتقال الملفات، وعدم انخراط سلطة الأمر الواقع في صنعاء في مسارات ومبادرات العدالة الانتقالية الوطنية، إلى جانب تغير مراكز القوى وأدوار أطراف النزاع عبر السنوات وتعذر الوصول إلى بعض المناطق وأماكن الاحتجاز والسجلات.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على حاجة اليمن إلى إطار وطني جامع يربط مؤسسياً بين كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا وجبر أضرارهم، ومساءلة المسؤولين عن الانتهاكات وفقًا للقانون وضمانات المحاكمة العادلة، وإصلاح المؤسسات ومنع تكرار الانتهاكات؛ بما يعزز فرص بناء سلام مستدام ومصالحة وطنية قائمة على الحقوق وسيادة القانون.
وبعدها واصل القاضي شايف الشيباني مناقشته لمشروع قانون العدالة الانتقالية، معرجاً على الإجراءات والآليات القانونية والتنفيذية التي نصت عليها المواد التشريعية، ومستعرضاً القضايا الجوهرية المتعلقة بطبيعة التحقيقات، وآليات استقبال الشكاوى، وضمانات التعويض، إضافة إلى التمويل والإصلاح المؤسسي وكان أبرز المحاور التي تناولها محاضرته إجراءات التحقيق ونطاق صلاحيات الهيئة للمادة( 8) وأوضح القاضي شايف أن المادة (8) من مشروع القانون حددت الإجراءات التي تتبعها هيئة العدالة الانتقالية ولجانها الفرعية للتحقيق في الانتهاكات وكشف الحقيقة وجبر الضرر وكانت أبرز الإجراءات استدعاء الشهود، والحصول على الوثائق الرسمية، والاطلاع على الأرشيف الوطني، وإجراء التحريات والتقصي، وضع آليات لاستقبال الشكاوى والبلاغات، وتفتيش الأماكن ومصادرة الأدوات المستخدمة في الانتهاكات وفق الحاجة.
كما أثار القاضي شايف تساؤلات قانونية حول مدى صلاحية الهيئة (بكونها هيئة غير قضائية) في ممارسة أعمال قضائية مثل "التفتيش والمصادرة"، مشيراً إلى أن الدستور ينص على أن المصادرة والتفتيش لا تتم إلا بحكم قضائي. وأكد على ضرورة وجود تكامل بين الآليات القضائية وغير القضائية (مثل إنشاء نيابات ومحاكم متخصصة بالعدالة الانتقالية كما في التجارب الدولية مثل كولومبيا).
كما تناول القاضي شايف في محاضرته الإجراءات والآليات القانونية والتنفيذية المتعلقة بمشروع قانون العدالة الانتقالية والتعويضات، مركزاً على تحديد نطاق صلاحيات هيئة العدالة الانتقالية ولجانها الفرعية في التحقيق بكشف الحقيقة وتفتيش الأماكن ومصادرة الأدوات واستدعاء الشهود، مع إثارة تحفظات حول مدى دستورية ممارسة هيئة غير قضائية لصلاحيات التفتيش والمصادرة، والمطالبة بتكاملها مع نيابات ومحاكم متخصصة. كما استعرض الضمانات الخاصة بجبر الضرر والتعويض المادي والمعنوي ورد الممتلكات وإعادة الحقوق الوظيفية للضحايا، مناقشاً المدد الزمنية المحددة بـ (سنة واحدة) لاستقبال الشكاوى وبنود إلزام الحكومة بمتابعة وتنفيذ التوصيات المرفوعة لمجلس النواب دورياً كل ستة أشهر.
واختتم القاضي شائف بطرح رؤيته حول ضمان استدامة تمويل صندوق تعويض الضحايا عبر تخصيص بند ثابت ومستدام في الموازنة العامة لصندوق التعويضات والعون القضائي، مشدداً على أهمية الربط بين الإصلاح المؤسسي وإنشاء هيئة وطنية مستقلة لحقوق الإنسان وفق مخرجات الحوار الوطني.
وبعدها عقدت الجلسة السادسه المخصصة لـ "دور المجتمع المدني والصحفيين في العدالة الانتقالية والتي أكد فيه المدرب ريان الشيباني على الدور المحوري الدي يلعبه الصحفيون والإعلاميون في دعم مسارات العدالة الانتقالية، مشدداً على أن الصحافة الاستقصائية تعد إحدى الأركان الأساسية لتوثيق وقائع الحرب والانتهاكات وحفظ الذاكرة الوطنية. وسلطت الجلسة الضوء على عدة محاور رئيسية، جاء في مقدمتها أهمية التوثيق الصحفي الدقيق للجرائم والانتهاكات، حيث أوضح الشيباني أن الخبر والتقرير والتحقيق الاستقصائي ليست مجرد مواد إعلامية لحظية، بل أدلة وحقائق تبنى عليها إجراءات المساءلة والعدالة الانتقالية عقب انتهاء النزاعات.وقد شهدت الجلسة نقاشات مستفيضة وعصفاً ذهنياًمن قبل المشاركون حول كيفية معالجة إشكالية ضياع الأرشيف الصحفي، لاسيما مع توقف الصحف الورقية وتعرض العديد من المواقع الإلكترونية للتلف أو التوقف، مما يجعل الحقائق عرضة للاندثار. وفي هذا الصدد، حث الشيباني الصحفيين والحقوقيين على إنشاء أرشيفات خاصة ومجدولة لموادهم الشهادية والميدانية، وعدم الاعتماد الكلي على المنشورات الرقمية للمؤسسات الإعلامية. كما تطرقت النقاشات إلى تحديات الأمن والسلامة الرقمية التي تواجه الصحفيين أثناء عملية التوثيق، حيث جرى التأكيد على ضرورة النشر بمسؤولية، واتباع أساليب التشفير وحماية البيانات الحساسة، إلى جانب الالتزام الصارم بحماية المصادر والشهود وتغيير أسمائهم عند اقتضاء الحاجة لمنع تعرضهم لأي مخاطر.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أن الصحافة الحقوقية تتطلب قدر عالياً من الأمانة والمصداقية والابتعاد عن التسييس، لتظل أدوات التوثيق الصحفي دليلاً دامغاً يخدم جهود تحقيق العدالة وبناء السلام المستدام في اليمن.
فيما تتطرق الناشطة الحقوقية مها عوض في جلستها السابعة وسلطت الضوء على تقاطع أشكال العنف والتمييز ضد النساء بين مرحلتي ما قبل الحرب وما بعدها
والتي تناولت فيها أبعاد العنف والتمييز القائم على النوع الاجتماعي في اليمن، وسبل إدماج منظور النوع الاجتماعي والعدالة الانتقالية في جهود بناء السلام وصياغة المستقبل. ومن خلال الورشة، أكدت مها عوض رئيسة مؤسسة وجود للأمن الانساني أن العنف والتمييز والانتهاكات التي تواجهها النساء والفتيات اليمنيات ليست وليدة اللحظة أو نتاج النزاع المسلح الراهن فحسب، بل إن لها جذوراً وبنى هيكلية وسلوكيات مجتمعية ومؤسسية كانت قائمة وموجودة ما قبل الحرب، لتتضاعف حدتها وأشكالها بصورة أوسع وأشد قسوة خلال سنوات الصراع. وسلطت عوض الضوء على مجموعه واسعة من أشكال الانتهاكات والتحديات التي تكابدها النساء والفتيات، موضحة أن أبعاد هذه المعاناة تتداخل بين التكريس القانوني والمجتمعي للتمييز—كالرمز في قوانين الأحوال الشخصية القاصرة وحرمان النساء من حقوقهن في الميراث والتعليم والعمل وشغل المناصب القيادية—وبين تفاقم حدة العنف الجسدي والجنسي والأسري الذي يتجسد في زواج القاصرات والزواج القسري وجرائم الشرف، وصولاً إلى توظيف العنف الجنسي كأداة حرب لإذلال المجتمعات.
وتتضاعف هذه الانتهاكات بفعل تداعيات النزاع والنزوح القسري وفقدان المعيل، مما يحمل المرأة أعباء معيشية شاقة تتجلى في جلب المياه والحطب ومواجهة الفقر وانعدام الأمن والتأهيل النفسي والرعاية الصحية، إلى جانب تصاعد الممارسات القمعية كالاعتقال والإخفاء القسري والابتزاز الإلكتروني، وتقييد حريتها في الحركة والمشاركة العامة أو الحصول على الوثائق الرسمية، وأشارت الناشطة الحقوقية إلى أن القبول المجتمعي لبعض أشكال العنف أو التغاضي عنها تحت مبررات العرف أو الظروف السياسية يعزز من تفاقم هذه الجرائم والإفلات من العقاب، داعية إلى ضرورة عدم التسامح مع أي انتهاك يمس كرامة المرأة وحقوقها.
واختتمت عوض بالتأكيد على أن تصميم آليات العدالة الانتقالية الشاملة يجب أن يرتكز على مواجهة هياكل عدم المساواة والتهميش، ومعالجة أسبابها الجذرية، وضمان جبر الضرر للضحايا ومحاسبة المرتكبين لضمان بناء مجتمع متماسك وسيادة القانون دون تمييز.
وفي سياق بحث آليات الحل والمعالجة لهذه التحديات، استعرضت مها عوض تجارب عربية وإقليمية ملهمة في مجال العدالة الانتقالية وإدماج النوع الاجتماعي، حيث ركزت على التجربة المغربية من خلال عمل لجنة الإنصاف والمصالحة التي أقرت مبدأ التعويض المباشر للزوجات والنساء المتضررات، مما أسهم في جبر أضرارهن بشكل مستقل وتأمين حقوقهن الاقتصادية والاجتماعية، وايضا التجربة التونسية عبر هيئة الحقيقة والكرامة التي مأسست مشاركة المنظمات النسوية والناجيات بشكل فعال ومباشر في جلسات الاستماع العلنية ومسارات كشف الحقيقة وصياغة التوصيات لضمان عدم تكرار الانتهاكات.واختتمت عوض بالتأكيد على أن تصميم آليات العدالة الانتقالية الشاملة يجب أن يرتكز على مواجهة هياكل عدم المساواة والتهميش، ومعالجة أسبابها الجذرية، وضمان جبر الضرر للضحايا ومحاسبة المرتكبين لضمان بناء مجتمع متماسك وسيادة القانون دون تمييز.