معجزة العصر : شعبٌ بلا حكومة .. وحكومةٌ بلا شعب

في صفحات التاريخ الإنساني، تعاقبت الإمبراطوريات وسقطت الممالك، ومرت الشعوب بمراحل ازدهار وانكسار، لكن لم يُسجل أن قامت معادلة بهذه الغرابة: شعبٌ قائم على أرضه بلا حكومة تقوده، وحكومةٌ قائمة خارج أرضها بلا شعب تحكمه.

إنها مفارقة تتجاوز حدود السياسة إلى مستوى “المعجزة” بكل ما تحمله الكلمة من دلالة؛ معجزة لم تُعرف منذ فجر الخليقة، ولم ترد في كتب الأولين، ولم تشهدها تجارب الدول الحديثة ولا القديمة.

الشعب موجود… يمارس حياته، يصنع يومه بجهده، يدير شؤونه بتدابير ذاتية، يتعايش مع أزماته، ويبتكر حلولًا من رحم المعاناة. على أرضه يقف، ومن ترابها يستمد شرعيته، لكنه بلا حكومة حاضرة بينه، بلا قيادة تعيش همومه على أرض الواقع، بلا مؤسسات تمارس دورها من داخل الوطن.

وفي المقابل، حكومةٌ موجودة… لكنها خارج حدود الأرض التي يُفترض أنها تحكمها. تمارس صلاحياتها من بعيد، تعقد اجتماعاتها بعيدًا عن الناس، وتصدر قراراتها من خارج الميدان. حكومة تحمل صفة السلطة، لكنها بلا شعب تحت إدارتها المباشرة، وبلا احتكاك يومي مع واقع من تُفترض مسؤوليتها تجاههم.

هنا تتجلى المعادلة العجيبة: أرضٌ بلا حكومة… وحكومةٌ بلا أرض… شعبٌ يحكم نفسه بنفسه… وسلطةٌ تبحث عن شعبٍ تمثله من خلف الحدود.

قد يُقال إن الظروف الاستثنائية فرضت هذا الواقع، وإن التحديات الأمنية والسياسية هي التي أنتجت هذا النموذج غير المسبوق. لكن النتيجة واحدة: انفصال بين القرار والميدان، بين السلطة والناس، بين الحكومة وأرضها.

إن أخطر ما في هذه “المعجزة” أنها تُطبع كواقع طبيعي، وكأن غياب الحكومة عن أرضها أمر اعتيادي، وكأن وجود شعب بلا إدارة مباشرة من سلطته أمر قابل للاستمرار إلى ما لا نهاية.

التاريخ يعلمنا أن الدول لا تُدار عن بُعد طويل الأمد، وأن الشرعية لا تكتمل إلا بالوجود الفعلي بين الناس، وأن الشعوب مهما صبرت، فإنها تسعى يومًا إلى إعادة ترتيب العلاقة بين الأرض والسلطة، بين الحاكم والمحكوم.

وإن كان البعض يصف هذا المشهد بكونه إنجازًا دبلوماسيًا أو ترتيبًا مرحليًا، فإن الواقع يقول إنه نموذج شاذ في التجربة البشرية، نموذج قد يُسجل كأول حالة “فصل تام” بين الجغرافيا والسيادة، بين الدولة ومكانها الطبيعي.

معجزة؟ ربما. لكنها معجزة سياسية ثقيلة الثمن، لأن الشعوب لا يمكن أن تبقى طويلًا بلا حكومة حاضرة، ولا الحكومات يمكن أن تحافظ على شرعيتها وهي بعيدة عن أرضها.

ويبقى السؤال المفتوح: إلى متى تستمر هذه المعادلة؟ وهل ستظل هذه “المعجزة” قائمة، أم أن التاريخ سيعيد الأمور إلى نصابها الطبيعي… حيث تكون الحكومة في أرضها، والشعب تحت قيادتها، لا مفصولين بجغرافيا وحدود؟
 

مقالات الكاتب