بين الجمود والتسوية: غروندبرغ يحذر من مفترق طرق سياسي حاسم

في إحاطته الأخيرة امام مجلس الأمن الدولي، بدا المبعوث الأممي الى اليمن هانس غروندبرغ وكأنه يراجع سنوات من ادارة الأزمة. لغته التحذيرية ليست جديدة، لكن نبرته هذه المرة حملت وضوحاً اكبر: اليمن يقف عند مفترق طرق خطير، حيث يمكن لاي خطأ داخلي او إقليمي أن يعيد البلاد الى دوامة عنف اوسع.

لفت انتباهي هذا التحذير المرتبط بسياق عمل المبعوث؛ فمنذ توليه مهمته لم يسعَ الى تسوية كبرى بقدر ما عمل على منع الانهيار الكامل للدولة، مركزاً على تثبيت التهدئة وخفض العنف عند كل تصعيد. وعلى الرغم من أن هدنة عام 2022 خفّضت العمليات القتالية وفتحت منافذ إنسانية ومنحت البلاد استراحة مؤقتة من الحرب، فإنها لم تتحول الى اتفاق شامل ولم تُدعَم بخارطة طريق ملزمة، فبقيت مجرد آلية لإدارة الصراع. ومع مرور الوقت ترسّخ واقع "اللا حرب واللا سلم"، حيث اصبح الجمود المسلح يحلّ محلّ التسوية من دون أن يصنع سلاماً.

في هذا السياق، بدا غروندبرغ في احاطته، وكأنه يعلن انتهاء صلاحية هذا الواقع، مشدداً على ضرورة إطلاق عملية سياسية شاملة تحت رعاية الأمم المتحدة، تجمع مختلف المكونات اليمنية وتعالج القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية في إطار متكامل، وخاصة أن هذا الطرح يأتي متزامنا بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي والتغيرات الأخيرة على الساحة الجنوبية، كما يعد الاعلان عن مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي خطوة محورية هامة لإشراك المكونات الجنوبية في العملية السياسية الشاملة، بالإضافة الى التداخل الإقليمي، والضغوط الاقتصادية، وتبدل موازين القوى، وجميعها تجعل استمرار "الإدارة المؤقتة" للصراع غير كافٍ.

لقد كانت العملية السياسية السابقة ثنائية الطابع، تركزت بين الحكومة والحوثيين، بينما يشير الحديث اليوم عن "تسوية سياسية شاملة" و الى إدماج بقية المكونات السياسية، بما فيها الفاعلون في الجنوب والمجتمع المدني والنساء والشباب.

في احاطته يعكس المبعوث الدولي، تحذيره مدى المخاطر التي يواجهها اليمن نتيجة تشابك الداخل مع محيطه الإقليمي. فاليمن لم يعد معزولاً عن تحولات المنطقة، واي خطأ داخلي او خارجي يمكن أن يعيد إشعال الجبهات بسرعة. في ظل غياب اتفاق سياسي جامع، يبقى الاستقرار هشاً بطبيعته.

لقد ركزت الإحاطة أيضاً على البعد الاقتصادي والإنساني بسبب استمرار الانقسام المالي، وتآكل القدرة الشرائية، واتساع رقعة الاحتياجات الإنسانية، كلها عوامل ضغط متراكمة تنسجم تماماً مع الدولة المنقسمة اقتصادياً بأنها لا تستطيع إنتاج سلام مستدام، حتى لو صمتت البنادق مؤقتاً.

كما اثار المبعوث مسألة احتجاز موظفين أمميين وعاملين في منظمات مدنية، مطالباً بالإفراج عنهم، ومشيراً الى أن بناء الثقة شرط اساسي لاي عملية سياسية جادة. فلا تفاوض مثمراً في بيئة يغيب عنها الحد الأدنى من الضمانات.

بهذا المعنى، نجد أن الإحاطة في خطاب المبعوث تمثل لحظة مراجعة في ظل ظرف متغير، حيث يصبح خفض العنف ممكناً، بينما السلام لن ينشأ تلقائياً من رحم الجمود. وعليه، فإن اليمن اليوم يقف بين إدارة الصراع وصناعة التسوية، امام استحقاق مؤجل: اما الانتقال الى عملية سياسية شاملة ومكتملة الأركان، او العودة الى دورة جديدة من الصراع.

من منظور سياسي، تحمل إحاطة غروندبرغ بعداً استراتيجياً واضحاً: فهي لا تكتفي بتحديد المخاطر الحالية بل تشير الى أن كل طرف يمني او إقليمي امام خيار حاسم. فالتحرك نحو عملية سياسية شاملة يمكن أن يعيد ترتيب موازين القوى الداخلية ويخلق فرصة لإعادة بناء الثقة بين الأطراف، بينما التمسك بالمواقف التقليدية وحسابات النفوذ قد يُسقط اليمن مجدداً في دائرة العنف والصراع المفتوح. وبذلك، تصبح الإحاطة أداة ضغط وتحفيز سياسي لكل الفاعلين، وتضعهم امام مسؤولية اتخاذ قرارات تؤثر على مسار الدولة ومستقبل السلام بشكل مباشر.

ولكن السؤال الأهم بعد هذه الإحاطة هو: هل الأطراف اليمنية والإقليمية مستعدة للانتقال من حسابات النفوذ الى حسابات الدولة؟ فمفترق الطرق الذي تحدّث عنه غروندبرغ ليس توصيفاً بلاغياً بل يمثل لحظة سياسية حرجة تتطلب قراراً حاسماً لإنهاء واقع "لا حرب ولا سلم" وإخراج اليمن من أزمته الراهنة.

مقالات الكاتب