مكافحة المخدرات في الأردن .. من التوعية إلى منظومة الوقاية و التعافي
د. سمير الجمال
قد لا تبدأ الكارثة بإبرة، ولا بحبة، ولا بكيس صغير مخبأ في جيب شاب. قد تبدأ بصمتٍ داخل بيت لم يفهم ال...
قد لا تبدأ الكارثة بإبرة، ولا بحبة، ولا بكيس صغير مخبأ في جيب شاب. قد تبدأ بصمتٍ داخل بيت لم يفهم الإشارة الأولى.
تخيّل أن تستيقظ أسرة أردنية ذات صباح لتكتشف أن ابنها الذي كان بالأمس يضحك ويجلس معها ويحلم بمستقبله، أصبح شخصًا آخر. نومه تغيّر، أصدقاؤه تغيّروا، عصبيته ازدادت، المال يختفي، الدراسة تتراجع، والباب يُغلق أكثر مما يُفتح. ثم تأتي اللحظة التي لا يريد أب ولا أم أن يعيشها: نكتشف أن ابننا يتعاطى المخدرات.
ماذا نفعل الآن؟
هل نصرخ؟ هل نعاقبه؟ هل نخبر الأقارب؟ هل نأخذ منه الهاتف؟ هل نحبسه في المنزل؟ هل ننتظر حتى يعترف؟ إلى أين نذهب به؟ بمن نتصل؟ ومن سيرافق هذه الأسرة خلال العلاج وبعده حتى لا تعود بعد أشهر إلى نقطة الصفر؟
هنا يبدأ الامتحان الحقيقي لمكافحة المخدرات.
لأن السؤال الأهم ليس: كم محاضرة ألقينا عن المخدرات؟ بل: هل يعرف الأب والأم ماذا يفعلان عندما تدخل المخدرات بيتهما؟ وهل يعرف الشاب أين يذهب إذا أراد أن ينقذ نفسه قبل فوات الأوان؟
في تقديري، يجب أن يكون هذا أحد أهم اختبارات أي استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات؛ لأن نجاحنا لا يُقاس فقط بعدد الندوات والمنشورات والحملات التي ننفذها، وإنما بقدرة المواطن على معرفة باب الدخول إلى منظومة المساعدة عندما تتحول المشكلة من موضوع نسمع عنه إلى أزمة تعيش داخل البيت.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن نفعله هو اختزال مكافحة المخدرات في التوعية وحدها. نعم، التوعية ضرورة، والمدرسة والجامعة والإعلام والمسجد والأسرة ومؤسسات المجتمع المدني جميعها مطالبة بالمشاركة فيها، لكنها تظل جزءًا من منظومة أكبر. فقد يعرف الشاب أن المخدرات خطرة، ويحفظ أضرارها، وربما يكون قد استمع إلى أكثر من محاضرة عنها، ثم يقع في التعاطي تحت ضغط الأصدقاء أو الفضول أو الفراغ أو المشكلات النفسية والاجتماعية أو ضعف البيئة الأسرية.
لذلك يجب أن ننتقل من سؤال: كيف نحذّر الشباب من المخدرات؟ إلى سؤال أعمق: كيف نبني بيئة تقلل احتمال وصول الشاب إلى المخدر أصلًا، وتكتشف الخطر مبكرًا، وتتدخل بسرعة إذا بدأ التعاطي، ثم تعالج وتؤهل وتتابع إذا وقع الإدمان؟
إن المواجهة الحقيقية للمخدرات تحتاج إلى منظومة مترابطة تبدأ بالبيانات والإنذار المبكر، وتمر بالوقاية الأسرية والمدرسية والوقاية الموجهة للفئات الأكثر عرضة للخطر، بالتوازي مع مكافحة العرض والترويج، ثم الاكتشاف والإحالة المبكرة، والعلاج والتأهيل، وصولًا إلى المتابعة وإعادة الاندماج ومنع الانتكاس. وأي خلل في إحدى هذه الحلقات يضعف المنظومة كلها؛ فلا تكفي مكافحة المروج إذا بقي الطلب قائمًا، ولا تكفي التوعية إذا لم نكتشف الحالات في بداياتها، ولا يكفي العلاج إذا أعدنا المتعافي بعد خروجه إلى البيئة نفسها من دون متابعة ودعم.
وفي قلب هذه المنظومة تأتي الأسرة، التي كثيرًا ما تجد نفسها وحيدة أمام الصدمة. فالأب والأم لا يحتاجان فقط إلى سماع أن المخدرات خطرة؛ فهما يعرفان ذلك. ما يحتاجانه فعلًا هو معرفة عملية واضحة: ماذا نلاحظ؟ كيف نفتح الحوار مع الابن؟ ماذا نقول؟ وماذا يجب ألا نقول؟ متى يصبح التدخل المتخصص ضروريًا؟ وإلى أي جهة نتوجه؟ وكيف نتعامل معه أثناء العلاج وبعده؟
وهنا يجب أن يكون أمام كل أسرة مسار عملي واضح. تبدأ الخطوة الأولى بعدم بناء الاتهام على علامة واحدة؛ فتغير النوم أو المزاج أو الأصدقاء أو تراجع الدراسة قد تكون له أسباب عديدة، لكن اجتماع تغيرات مفاجئة ومتكررة يستحق الانتباه والتقييم. والخطوة التالية هي اختيار وقت يكون فيه الابن هادئًا وغير واقع تحت تأثير مادة، ثم فتح حوار بعيد عن الإهانة والتحقيق. نقول له مثلًا: «لاحظنا تغيرات عليك، ونحن قلقون عليك ونريد مساعدتك» بدلًا من: «أنت مدمن وفضحتنا».
بعد ذلك يأتي الاستماع قبل إصدار الأحكام. تحاول الأسرة فهم ما يحدث: هل كانت تجربة عابرة أم أصبح الاستخدام متكررًا؟ ما المادة إن كانت معروفة؟ منذ متى؟ هل ظهرت أعراض جسدية أو نفسية مقلقة؟ لكن الأسرة يجب ألا تتحول إلى طبيب أو محقق؛ فالهدف من جمع هذه المعلومات هو الوصول إلى المختص، لا إصدار تشخيص منزلي.
ومن الأخطاء الخطرة انتظار اعتراف كامل قبل طلب المساعدة. فإذا كانت المؤشرات قوية، أو اعترف الابن بالتعاطي، فينبغي التواصل سريعًا مع جهة علاجية متخصصة للحصول على تقييم مهني. فالإنكار أو الوعد من نوع «لن أكررها» لا يكفي لتحديد حجم المشكلة، كما أن الأسرة لا ينبغي أن تستخدم أدوية من تلقاء نفسها أو تحاول تنفيذ سحب منزلي دون تقييم طبي؛ لأن بعض حالات التسمم أو الانسحاب قد تتطلب تدخلًا صحيًا عاجلًا.
وإذا كان الشخص فاقدًا للوعي أو مضطربًا بشدة، أو يعاني صعوبة في التنفس أو تشنجات أو ألمًا شديدًا في الصدر أو هياجًا خطيرًا، أو ظهرت أفكار أو محاولات لإيذاء النفس أو الآخرين، فإن الأولوية ليست النقاش ولا الاعتراف ولا معرفة «من أعطاك المادة؟»، وإنما الحصول على مساعدة طبية طارئة فورًا وعدم تركه وحده.
وفي الوقت نفسه، يجب أن تتوقف الأسرة عن التعامل مع المشكلة باعتبارها فضيحة يجب إخفاؤها. حماية الخصوصية مطلوبة، لكن السرية التي تمنع العلاج تتحول من حماية إلى خطر. وفي المقابل، يجب تجنب التشهير بالشخص أمام الأقارب والجيران أو معايرته بماضيه أو اختزاله في كلمة «مدمن». نحن أمام إنسان لديه مشكلة تحتاج إلى علاج، لا أمام هوية جديدة نحكم عليه بها بقية حياته.
كما ينبغي وضع حدود أسرية واضحة بالتعاون مع المختصين. فالحب لا يعني تمويل السلوك المؤذي، ولا توفير المال بلا ضوابط، ولا تسديد كل دين دون فهم أسبابه، ولا التغطية المستمرة على النتائج. الدعم الحقيقي يجمع بين الاحتواء والمسؤولية: نحن معك في العلاج، وسنقف إلى جانبك، لكننا لن نساعد أي سلوك يعيدك إلى التعاطي.
وهناك حقيقة أخرى نغفل عنها كثيرًا: الأسرة نفسها تحتاج إلى الدعم. فالتعاطي لا يصيب الفرد وحده؛ بل يهز البيت كله. يعيش الأب والأم والإخوة الخوف والغضب والشك والشعور بالذنب وربما الصراع فيما بينهم. ولذلك ينبغي أن تكون الأسرة جزءًا من خطة العلاج، وأن تتعلم كيف تتواصل، وكيف تضع الحدود، وكيف تتعرف إلى مؤشرات الخطر والانتكاس، بدل أن تتحول حياة البيت كلها إلى مراقبة ومطاردة وشك.
ولا تنتهي المسؤولية عندما يخرج الابن من مركز العلاج. وربما هنا تبدأ المرحلة الأصعب؛ لأن المتعافي يعود إلى العالم الحقيقي: إلى الحي والأصدقاء والضغوط والمشكلات الأسرية والبطالة والوحدة والأماكن والذكريات المرتبطة بالتعاطي. ولذلك فإن إعادة الدمج الاجتماعي ليست خدمة إضافية يمكن الاستغناء عنها، وإنما جزء أساسي من عملية التعافي.
المتعافي يحتاج إلى متابعة، وأسرة تعرف كيف تتعامل معه، وبيئة لا توصمه، وفرصة للتعليم أو التدريب أو العمل، ونمط حياة يعيد إليه الشعور بالقيمة والانتماء. وإذا ظهرت مؤشرات انتكاس، فلا ينبغي أن نستقبله بعبارة: «ألم نقل لك إنك لن تتغير؟»، بل بالتواصل المبكر مع الفريق العلاجي وإعادة تقييم الخطة. فالانتكاس المحتمل لا ينبغي أن يكون مبررًا للتخلي عن الإنسان، وإنما إشارة تستوجب مراجعة العلاج والدعم.
ولهذا أرى ضرورة إعداد بروتوكول وطني مبسط للأسرة الأردنية بعنوان مباشر: «اكتشفت أن ابني يتعاطى… ماذا أفعل؟» يكون متاحًا ورقيًا ورقميًا، ويضع أمام الأسرة منذ اللحظة الأولى طريقًا مفهومًا: لاحظ بهدوء، تحدّث دون إهانة، استمع، اطلب تقييمًا متخصصًا، تعامل مع الطوارئ فورًا، شارك في العلاج، ضع حدودًا داعمة، ثم تابع بعد التعافي. فلا ينبغي أن تبقى الأسرة وحدها وهي تحاول اكتشاف الطريق بالتجربة والخطأ.
وهنا نصل إلى قضية أخرى لا تقل أهمية: كيف نقيس نجاحنا؟ من السهل أن نقول إننا نفذنا مئات المحاضرات، وزرنا عشرات المدارس، ووصلنا إلى آلاف الطلبة ووزعنا آلاف المنشورات. لكن هذه الأرقام تخبرنا بما فعلناه، ولا تخبرنا بالضرورة بما غيّرناه.
السؤال الحقيقي هو: هل تغيرت معرفة الشباب وسلوكياتهم؟ هل أصبحوا أكثر قدرة على رفض ضغط الأصدقاء؟ هل أصبح الآباء أكثر قدرة على اكتشاف علامات الخطر والتصرف الصحيح؟ هل أصبح طلب العلاج يحدث في مرحلة أبكر؟ هل تحسنت استمرارية التعافي والمتابعة؟ وهل استطاع المتعافي العودة إلى التعليم أو التدريب أو العمل والحياة الاجتماعية بصورة أكثر استقرارًا؟
عندما نبدأ بقياس هذه المؤشرات نكون قد انتقلنا من ثقافة «ماذا فعلنا؟» إلى ثقافة «ماذا غيّرنا؟».
وانطلاقًا من ذلك، أرى أننا بحاجة إلى التفكير في إطار وطني جامع يمكن أن يحمل عنوان:
«الأردن للوقاية والتعافي 2030: من أول إشارة إلى حياة جديدة»
والفكرة ليست إنشاء مؤسسة تنافس المؤسسات القائمة، ولا أن تحل جمعية أهلية مكان الجهات الرسمية المختصة، وإنما بناء جسر مجتمعي يربط المؤسسات بالأسرة والمدرسة والجامعة والشباب والمجتمع المحلي والمتعافين. فمشكلة بهذا الحجم أكبر من قدرة جهة واحدة، وبالتالي فإن مواجهتها تحتاج إلى تكامل حقيقي في الأدوار والمسؤوليات.
وفي هذا السياق يمكن تطوير مبادرة «سفراء الحياة» لتصبح نموذجًا أردنيًا للوقاية الشبابية. فبدل أن يبقى الطالب مجرد مستمع لمحاضرة ثم يغادر القاعة، لماذا لا يصبح شريكًا في صناعة الوقاية؟ يمكن اختيار مجموعات من الشباب والطلبة وفق معايير واضحة، وتدريبهم علميًا على مهارات الحياة ورفض ضغط الأصدقاء والتعرف إلى عوامل الخطر وطرق طلب المساعدة، وإشراك المختصين في تدريبهم، والاستفادة بصورة مسؤولة ومدروسة من تجارب المتعافين، ثم يعود هؤلاء الشباب إلى مدارسهم وجامعاتهم ومجتمعاتهم سفراء للوعي والحياة.
والأهم ألا ينتهي المشروع عند التدريب والتقاط الصور ونشر الخبر. علينا أن نقيس معرفة المشاركين ومهاراتهم قبل البرنامج وبعده، ثم نعود إليهم بعد عدة أشهر لنسأل: هل بقي الأثر؟ وهل تحول ما تعلموه إلى سلوك؟ وهكذا ننتقل من إلقاء محاضرة عن المخدرات إلى صناعة قيادات شبابية للوقاية منها.
لكن أي مشروع وطني جاد يحتاج قبل كل شيء إلى معرفة دقيقة بالواقع. نحن بحاجة إلى بيانات محدثة تخبرنا أين تتركز عوامل الخطر، وما الفئات العمرية الأكثر تعرضًا، وما المواد الأكثر انتشارًا وتغيرًا، ومتى يبدأ التعاطي، وكم عدد من يطلبون العلاج، وكم منهم يستمرون فيه، وماذا يحدث للمتعافين بعد الخروج، وأين توجد الفجوات في الخدمات بين المحافظات. فبدون البيانات قد نبذل جهودًا كبيرة، لكننا لا نعرف بالضرورة إن كنا نعمل في المكان الصحيح، ومع الفئة الصحيحة، وبالأداة الصحيحة.
إن مكافحة المخدرات ليست معركة أمنية وحدها، وليست قضية صحية وحدها، وليست مسؤولية المدرسة أو الأسرة وحدهما؛ إنها قضية إنسان ومجتمع ووطن. والنجاح الحقيقي لن يكون عندما نملأ القاعات بالمحاضرات، بل عندما يعرف الطفل لماذا يقول «لا»، ويعرف الشاب كيف يطلب المساعدة، ويعرف الأب ماذا يفعل عند أول إشارة، ويجد من وقع في التعاطي بابًا واضحًا للعلاج، ويجد المتعافي بعد خروجه مجتمعًا يساعده على بناء حياته من جديد.
ولذلك ربما حان الوقت لأن نغيّر السؤال نفسه.
بدل أن نسأل: كم شخصًا حذّرنا من المخدرات؟
علينا أن نسأل:
كم إنسانًا منعنا من الوصول إليها؟ وكم إنسانًا اكتشفناه قبل أن يغرق؟ وكم إنسانًا ساعدناه على العلاج؟ وكم متعافيًا وقفنا إلى جانبه حتى لا يعود؟
عندها فقط نكون قد انتقلنا من مكافحة المخدرات كشعار إلى بناء منظومة وطنية لحماية الإنسان.
فالهدف ليس أن نخيف أبناءنا من المخدرات فحسب، بل أن نجعل طلب المساعدة أسهل من إخفاء المشكلة، والعلاج أقرب من اليأس، والمجتمع أقرب إلى المتعافي من طريق العودة إلى المخدر.
لأن المعركة في النهاية ليست فقط ضد مادة مخدرة… بل من أجل إنسان يستحق أن نستعيده قبل أن نفقده.