إيقاف رقود المرضى في المستشفيات الحكومية .. هل يعالج الأزمة أم ينقل معاناة المريض إلى مكان آخر؟

صدى الحقيقة خاص

إلى معالي وزير الصحة العامة والسكان… من زميلٍ في المهنة، قبل أن أكون ناقدًا للقرار

معالي الدكتور وزير الصحة العامة والسكان،
تحية تقدير واحترام لكم، وللجهود التي تبذلونها في ظل الظروف الصعبة والاستثنائية التي يمر بها القطاع الصحي في بلادنا.

أكتب إليكم اليوم بصفتي طبيبًا استشاريًا في الباطنة و مهتم في العناية الحرجة، وزميلًا لكم في هذه المهنة الإنسانية، التي تجمعنا فيها مسؤولية أخلاقية ومهنية واحدة: أن يبقى المريض في مقدمة أولوياتنا، وأن يكون حقه في العلاج والرعاية الصحية فوق كل اعتبار.

لقد اطلعت على التوجيه المتعلق بإيقاف رقود الحالات الباردة والاختيارية والرقود الباطني، والنساء والولادة والأطفال في المستشفيات الحكومية، مع توجيه الحالات التي لا تستدعي التدخل الجراحي الطارئ إلى المستشفيات البديلة.

ومع إدراكي أن مثل هذه التوجيهات قد تأتي استجابةً لظروف استثنائية وضغوط تشغيلية، فإنني أرى، بكل احترام وموضوعية، أن أي قرار يتعلق بتنظيم الرقود في المستشفيات الحكومية يجب أن يسبقه تقييم واقعي لقدرة المستشفيات البديلة على استقبال المرضى وعلاجهم، ولقدرة المواطنين على تحمّل تكاليف العلاج خارج القطاع الحكومي.

فالمشكلة التي نواجهها اليوم ليست مجرد تنظيم أسرّة الرقود، بل هي أزمة صحية واقتصادية وإنسانية متداخلة.

معالي الوزير، دعونا ننظر إلى الواقع من سرير المريض، لا من خلف المكاتب فقط.

🔹 أولًا: هل المستشفيات الحكومية مهيأة للاستغناء عن هذه الحالات؟

نعلم جميعًا ما تعانيه مستشفياتنا الحكومية من نقص في الإمكانات والتجهيزات والأدوية والمستلزمات الطبية، وضغوط الكادر الصحي، ومحدودية أسرّة الرقود والعناية المركزة.

لكن هذه الصعوبات لا تعني أن المرضى الذين يحتاجون إلى الرقود يمكن الاستغناء عن خدماتهم، أو أن تحويلهم إلى منشآت أخرى سيضمن حصولهم على الرعاية المطلوبة.

فالمريض المصاب بالتهاب رئوي شديد، أو تفاقم قصور القلب، أو الحماض الكيتوني السكري، أو الفشل الكلوي الحاد، أو غيرها من الحالات الباطنية التي تستدعي الرقود، قد لا يحتاج إلى عملية جراحية، لكنه يحتاج إلى سرير ومراقبة وعلاج متكامل، وقد تتدهور حالته إذا تأخر قبوله أو تعذّر علاجه.

🔹 ثانيًا: هل يستطيع المواطن تحمّل تكاليف المستشفيات الخاصة؟

هذه هي النقطة الأكثر إيلامًا.

هناك أسر لا تستطيع توفير ثمن الأدوية والفحوصات الأساسية، فكيف لها أن تتحمّل تكاليف رقود تمتد أيامًا أو أسابيع في مستشفى خاص؟

وهناك مرضى مزمنون يحتاجون إلى متابعة وعلاج مستمرين، وأطفال ونساء حوامل وكبار سن لا يملكون ترف الاختيار بين منشأة وأخرى.

إن توجيه المريض إلى مستشفى بديل لا يُعدّ حلًا مكتملًا ما لم يكن ذلك المستشفى قادرًا على استقباله، وكانت كلفة العلاج في متناول أسرته، أو كانت هناك آلية تضمن تغطية تكاليفه.

فلا يجوز أن يتحوّل نقص الإمكانات في المستشفى الحكومي إلى عبء مالي إضافي على المريض الفقير، ولا أن يصبح عدم قدرته على الدفع سببًا في تأخر علاجه.

🔹 ثالثًا: ما الحل في ظل هذه الظروف الطارئة؟

معالي الوزير، إن النقد الذي لا يقدم بدائل لا يكفي، ولذلك أضع بين أيديكم، بكل احترام، مجموعة من المقترحات العملية:

1️⃣ تنظيم الرقود بدلًا من إيقافه بصورة عامة.
وضع معايير طبية واضحة لتحديد الحالات التي تستدعي الرقود، والحالات التي يمكن علاجها بأمان في العيادات أو وحدات الملاحظة، مع ضمان عدم حرمان الحالات التي تحتاج إلى التنويم من الخدمة.

2️⃣ استثناء الحالات الباطنية الحرجة والطارئة بوضوح.
ضمان استمرار استقبال حالات الإنتان، والحماض الكيتوني السكري، والأزمات القلبية، والسكتات الدماغية، والفشل التنفسي، والفشل الكلوي الحاد، وغيرها من الحالات التي قد يترتب على تأخير علاجها خطر جسيم.

3️⃣ إنشاء نظام إحالة فعّال قبل تحويل المرضى.
لا يُحوّل المريض إلا بعد التواصل مع المنشأة المستقبلة، والتأكد من توافر السرير والكادر والإمكانات اللازمة، وتوفير وسيلة نقل مناسبة عندما تستدعي الحالة ذلك.

4️⃣ عقد اتفاقيات ملزمة مع المستشفيات الخاصة.
تتضمن الاتفاقيات استقبال الحالات التي تُحال من المستشفيات الحكومية وفق معايير واضحة، وتحديد أسعار تفضيلية، وإنشاء آلية دفع حكومية أو صندوق دعم لتغطية علاج المرضى غير القادرين، بدلًا من تركهم يواجهون التكاليف بمفردهم.

5️⃣ دعم المستشفيات الحكومية بما هو متاح وعاجل.
تحديد الحد الأدنى الضروري من الأدوية والمحاليل والمضادات الحيوية والفحوصات والأكسجين والمستلزمات الأساسية، وإعطاء الأولوية للأقسام التي يؤدي تعطلها إلى تهديد حياة المرضى.

6️⃣ تفعيل العيادات النهارية ووحدات الملاحظة.
يمكن تقديم خدمات آمنة لبعض الحالات التي لا تحتاج إلى رقود كامل من خلال الملاحظة قصيرة الأمد، والعلاج النهاري، والمتابعة المنظمة، شريطة توافر الكوادر والإمكانات ومعايير واضحة للقبول والخروج.

7️⃣ تشكيل لجنة طوارئ صحية مشتركة.
تضم الوزارة وإدارات المستشفيات الحكومية والخاصة وممثلين عن الكوادر الطبية، لتقييم الوضع ميدانيًا، ومراجعة القرار، وقياس أثره على أعداد المرضى المحوّلين، وتأخر العلاج، والتكاليف التي تتحملها الأسر.

🔹 رابعًا: كلمة إلى معالي الوزير بصفته زميلًا في المهنة.

معالي الدكتور، لقد تحدثنا مرارًا عن تدهور الخدمات الصحية، وعن المعاناة التي يعيشها المرضى والكوادر الطبية في المستشفيات الحكومية، وعن الحاجة إلى حلول واقعية تتناسب مع الإمكانات المتاحة.

وقد حرصتُ في منشوراتي السابقة على تسليط الضوء على هذه التحديات، انطلاقًا من واجبي المهني والإنساني، لا رغبةً في توجيه اللوم إلى أحد أو التقليل من جهود أي مسؤول.

وأعلم أن إدارة القطاع الصحي في هذه الظروف ليست مهمة سهلة، وأن الإمكانات قد تكون محدودة مقارنة بحجم الاحتياجات. لكن محدودية الموارد تجعلنا أكثر حاجة إلى التخطيط الدقيق، وتحديد الأولويات، وحماية الفئات الأشد ضعفًا.

إننا لا نطالب بقرار مثالي في ظروف غير مثالية، بل نطالب بحلول واقعية تمنع أن يدفع المريض ثمن الأزمة مرتين: مرةً بسبب ضعف الخدمات، ومرةً بسبب عجزه عن تحمّل تكلفة البديل.

ومن هنا، فإنني أدعو معاليكم إلى إعادة تقييم التوجيه في ضوء الواقع الميداني، وإشراك الأطباء الذين يتعاملون يوميًا مع المرضى، والاستماع إلى إدارات المستشفيات والكوادر التمريضية، ووضع آلية واضحة تضمن استمرار علاج الحالات المحتاجة، وتحفظ للمواطن كرامته وحقه في الرعاية الصحية.

ختامًا…

معالي الوزير، قد نختلف في تقييم بعض القرارات، لكن ينبغي ألا نختلف على أن حياة الإنسان وحقه في العلاج هما الغاية التي يجب أن تتجه إليها جميع قراراتنا.

وأكتب إليكم اليوم من موقع الزمالة المهنية، والحرص على المصلحة العامة، والإيمان بأن النقد المسؤول ليس خصومة، بل فرصة لتصحيح المسار وتطوير الأداء.

نسأل الله أن يعينكم على أداء الأمانة، وأن يوفّقكم لاتخاذ ما فيه خير المرضى والوطن، وأن يمنحنا جميعًا الحكمة والإخلاص والقدرة على خدمة الإنسان اليمني في أحلك الظروف.

فالقطاع الصحي لا يحتاج إلى قرارات تنظّم الأزمة فحسب، بل إلى حلول تمنع الأزمة من أن تتحول إلى مأساة إنسانية يدفع ثمنها الفقراء والمرضى.

مع خالص التقدير والاحترام.

د. ياسر الوالي
استشاري أول الأمراض الباطنية
مهتم في طب العناية الحرجة