لوكورنو هل ضحّى باقتصاد فرنسا لينجو بنفسه؟

صدى الحقيقة : وكالات

لم يكن لجوء رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو إلى المادة (49.3) من الدستور حدثا سياسيا معزولا داخل أسوار الجمعية الوطنية، بل شكل إشارة اقتصادية مباشرة للأسواق والشركات والأسر الفرنسية.

فعندما يتم تمرير الميزانية العامة – أو جزء منها – بدون تصويت برلماني، لا تُقرأ الخطوة باعتبارها حلا إجرائيا لأزمة تشريعية تتجنب الشلل المالي فقط، بل باعتبارها مؤشرا على مستوى استقرار البلاد سياسيا وقدرة الدولة على إدارة ماليتها العامة في سياق داخلي مضطرب.

وفي ظل تصاعد مذكرات حجب الثقة واحتجاجات المعارضة وانقسام البرلمان، لم يتساءل خبراء الاقتصاد كثيرا حول أحقية استخدام الحكومة للمادة الدستورية، بقدر ما رفعوا سقف مخاوفهم حول انعكاس هذه المادة على كلفة الدين ومناخ الاستثمار في اقتصاد يواجه دينا عاما قياسيا وعجزا مزمنا.

السياسة أولا

تنعكس التوترات السياسية بشكل مباشر على عوائد السندات الفرنسية وتصنيف المخاطر السيادية، فضلا عن شهية المستثمرين الأجانب لشراء الدين الفرنسي.

ويرى المحلل السياسي إيف سنتومير أن الاقتصاد ليس أولوية بالنسبة للحكومة في الوقت الحالي، وإنما البقاء في السلطة وتجنب هزيمة انتخابية أخرى في حال إجراء انتخابات مبكرة.

وأضاف سنتومير للجزيرة نت أن حسابات القوى السياسية في فرنسا تتحرك غالبا وفق مصالحها السياسية قبل مصالح الاقتصاد الفرنسي.

ولعل أهم ما تركز عليه الأسواق في هذه المرحلة هو عدم قدرة فرنسا على إنتاج توافق سياسي مستقر حول إصلاحاتها المالية، ما قد يؤدي إلى مطالبة المستثمرين بفائدة أعلى مقابل إقراض الدولة التي تبدو مؤسساتها في حالة انقسام دائم.

وأعلنت الخزينة الفرنسية أن الدولة ستصدر ما يقارب 310 مليارات يورو من السندات الصافية خلال عام 2026 لتمويل حاجاتها (نحو 362.7 مليار دولار).

ثمن الاستقرار

ومن منظور الأسواق المالية، يُنظر إلى المادة (49.3) كآلية تمنع السيناريو الأسوأ، أي الوقوع في فراغ مالي وتأخير في إقرار الميزانية. ويظل ذلك عاملا إيجابيا ضعيفا لأنه يحافظ على استمرارية الدولة ويجنب الارتباك الإداري على المدى القصير.

ويرى سنتومير أن اللجوء المتكرر إلى حلول قصيرة ومسعفة يمثل عنصر مخاطرة سياسية هيكلية، لأن فرنسا لا تعاني من أزمة مالية مفاجئة بقدر ما تعاني من أزمة قدرة سياسية على التوافق حول مسار مالي مستقر، وهو ما يهتم المستثمرون به أكثر من أي نص دستوري.

وتضع الأرقام الحساسية الراهنة في سياقها الحقيقي. فقد وصل الدين العام الفرنسي إلى حوالي 3.48 تريليونات يورو، (نحو 4.07 تريليونات دولار)، وهو ما يعادل نحو 117% من الناتج المحلي الإجمالي، بينما من المتوقع أن تقترب خدمة الدين لهذا العام من 59 مليار يورو (نحو 69 مليار دولار) لتصبح بذلك من أكبر بنود الإنفاق في الميزانية.

وبالنظر إلى حجم الاقتراض الفرنسي، يعتقد الخبير الاقتصادي باتريك أرتوس أن فرنسا لا تتحمل ترف ارتفاع دائم في علاوة المخاطر، لأن كل زيادة بسيطة في العائدات تتحول مباشرة إلى مليارات إضافية في خدمة الدين، ما يضغط لاحقا على الإنفاق الاجتماعي والاستثماري.

وأكد أرتوس للجزيرة نت أن البلاد ليست بحاجة إلى خفض سريع للعجز العام بقدر حاجتها إلى الاستخدام الأمثل للأموال العامة، مشيرا إلى إمكانية التمويل من خلال الضرائب المفروضة على الشركات ذات الإنتاجية الأعلى.

تراجع الثقة

وعلى مستوى الأفراد، فالأثر أقل تقنية لكنه أكثر عمقا، وفي العادة، لا يتفاعل المستهلك الفرنسي مع تفاصيل المواد الدستورية بقدر تفاعله مع المناخ العام الذي يعيشه يوميا، بما في ذلك الادخار والضرائب والقرارات الكبرى مثل شراء عقار أو اتخاذ قرار استثماري طويل الأجل.

ففي فترات عدم اليقين السياسي والاقتصادي ترتفع نزعة الادخار الوقائي خوفا من تراجع القدرة الشرائية والزيادات الضريبية وغيرها.

ويصف الخبير الاقتصادي أرتوس محتوى ميزانية 2026 بـ"الكارثي" لأنها تعني المزيد من الإنفاق الاجتماعي والضرائب، معتبرا أن الفرنسيين اليوم بحاجة إلى تحويل الإنفاق الاجتماعي نحو إنفاق استثماري مستقبلي بعد رفع سن التقاعد وزيادة النفقات الشخصية لتغطية تكاليف الرعاية الصحية.

ويشير أرتوس إلى قلقه إزاء تجديد الضريبة الإضافية هذا العام بسبب نقص الوفورات الهيكلية في الإنفاق، ولا سيما على البرامج الاجتماعية، مؤكدا أن هذا يثير مسألة مبدأ ومسألة ثقة ومشكلة اقتصادية.

ويضيف أنه مع عجز يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي ودين يفوق 117% من الناتج، تصبح أي سياسة اجتماعية مستقبلية رهينة بالقدرة على التمويل، وكلما ارتفعت كلفة الدين، تقل مساحة المناورة الاجتماعية.

وبعبارة أخرى، قرار لوكورنو لا يضر الأفراد مباشرة، لكنه يساهم في مناخ اقتصادي يجعل الدولة أقل قدرة على الحماية الاجتماعية وأكثر ميلاً إلى سياسة ضبط النفقات، وفق أرتوس.

وبعبارة أخرى، قرار لوكورنو لا يضر الأفراد مباشرة، لكنه يساهم في مناخ اقتصادي يجعل الدولة أقل قدرة على الحماية الاجتماعية وأكثر ميلاً إلى سياسة ضبط النفقات، وفق أرتوس.

القلق الصامت

أما على مستوى الشركات الكبرى فلم يكن ردها صداميا أو علنيا، بل جاء في صيغة ما يمكن تسميته بـ"القلق المؤسسي الصامت"، الذي يطالب الحكومة برؤية تنظيمية ومالية مستقرة لعدة سنوات.

ففي مناخ سياسي متوتر، لا تُبنى القرارات الكبرى في الاستثمار الصناعي وسلاسل التوريد والتحول الطاقي على موازنات تُمرر كل سنة.

ويرى المحلل السياسي إيف سنتومير أن الميزانية التي تفتقر إلى توجيه واضح والحكومة التي تبدو على حافة الانهيار هي حكومة تكافح من أجل العمل وتربك الأسواق، لكنها تفشل في سير عمل جهازها الإداري بسلاسة لأن كبار المسؤولين لا يملكون رؤية طويلة الأجل للإجراءات التي يتعين عليهم اتخاذها.

وأبدت الشركات التي ستتحمل جزءا من عبء التنازلات التي منحها لوكورنو للحزب الاشتراكي لتجنب انتقاد الميزانية، استياءها الشديد يوم الاثنين من تراجع الحكومة عن قراراتها بشأنها، واصفة الخطاب السياسي بأنه "لا قيمة له".

وتتمحور القضية حول إعادة فرض الضريبة الإضافية على دخل الشركات الكبيرة، والتي تبلغ قيمتها نحو 8 مليارات يورو (نحو 9.36 مليارات دولار).

تجدر الإشارة إلى أن الحكومات السابقة قدمت وعودًا بعدم تجديد هذه الضريبة الإضافية، التي فرضت لأول مرة في ميزانية عام 2025.

من جانبها، أعلنت وزيرة العمل العام والحسابات، أميلي دي مونتشالين، عن خطط لتوفير ملياري يورو إضافية (نحو 2.34 مليار دولار) في ميزانيات الهيئات الحكومية والشركات العاملة في القطاع العام.

وستستهدف هذه الوفورات بشكل أساسي الفائض النقدي لدى هذه الشركات، لكن الوزارة لم تحدد حتى الآن الجهات المستهدفة من هذه القرارات.

المصدر: الجزيرة