أبين .. بين صدق التوجه و حتمية التفعيل المؤسسي

من منطلق المحبة الصادقة والانتماء الحقيقي لمحافظة أبين، ومن باب الحرص على نجاح أي توجه إصلاحي يخدم المواطن ويخفف من معاناته، تأتي هذه القراءة لما طرح من رؤى وتوجهات، بروح داعمة تسعى إلى تعزيز الإيجابيات والبناء عليها، لا الانتقاص منها أو التقليل من شأنها.


لا شك أن ما أُعلن من توجهات يعكس إدراكا واضحًا لحجم التحديات التي تواجهها المحافظة، ويؤكد وجود نية حقيقية لإحداث تغيير ملموس يلامس حياة الناس، وهو أمر محل تقدير واحترام. غير أن التجارب السابقة علمتنا أن الطريق إلى التنمية لا يقاس فقط بحسن النوايا أو قوة الشعارات، بل بمدى ترجمتها إلى خطوات عملية تستند إلى القانون، وتنفذ عبر مؤسسات فاعلة قادرة على إحداث الأثر.


إن أبين اليوم لا تحتاج فقط إلى قرارات، بل إلى تفعيل جاد لمؤسسات الدولة، وإدارة كفؤة تحوّل الخطط إلى واقع، والتحديات إلى فرص، بما يحقق تطلعات أبنائها في الأمن والاستقرار والتنمية. 

 

ومن هنا، فإن أي ملاحظات تُطرح إنما تأتي في إطار الشراكة المجتمعية والمسؤولية المشتركة، التي تهدف في جوهرها إلى إنجاح هذه الجهود، وترسيخ مسار إصلاحي حقيقي ومستدام.

 

قال المحافظ : تشكيل لجنة متخصصة لرفع مقترح عاجل وشامل لإيقاف كافة الجبايات غير القانونية، إن معركتنا مع الفساد والعشوائية تبدأ من هنا، ولن نسمح بأن تظل أبين رهينة لممارسات خارجة عن النظام. 

 

الملاحظة :  في الوقت الذي تُثمن فيه الجهود الرامية إلى إنهاء الجبايات غير القانونية والتخفيف من معاناة المواطنين، نؤكد أن معالجة مثل هذه الاختلالات تتطلب تفعيلًا مباشرًا لمؤسسات الدولة المختصة، وفي مقدمتها الأجهزة الرقابية والقضائية والأمنية والعسكرية ، باعتبارها الجهة المخولة قانونًا بإنفاذ النظام ومحاسبة المخالفين.  

إن إنشاء لجان في قضايا محسومة قانونًا قد يؤدي إلى إطالة الإجراءات بدلاً من معالجتها، بينما كان الأجدر اتخاذ خطوات مباشرة عبر الجهات المختصة لضبط المخالفين وإحالتهم للمساءلة القانونية، بما يحقق الردع ويعزز هيبة النظام.  

وأي توجه إصلاحي حقيقي يجب أن يقوم على تطبيق القانون بعدالة وشفافية على الجميع، دون استثناء، مع ضمان عدم تكرار هذه الممارسات مستقبلاً من خلال إصلاح إداري مؤسسي مستدام، وليس عبر حلول مؤقتة.   

 

قال المحافظ : وجهت كافة مدراء العموم برفع خطط عمل عاجلة ومزمنة لمدة 100 يوم. نريد مشاريع ملموسة يلمس أثرها المواطن في حياته اليومية، تليها خطط استراتيجية طويلة الأمد لتعويض المحافظة عن سنوات الظلم والتهميش، مع التركيز على استعادة الانضباط الوظيفي كركيزة أساسية للتنمية. 

 

الملاحظة :  يثير التوجيه بإعداد خطة عمل لمدة 100 يوم تساؤلات مشروعة حول الأسس والمعايير التي ستُبنى عليها هذه الخطة، خاصة وأن إعداد مثل هذه البرامج الزمنية يتطلب مرتكزات واضحة تستند إلى بيانات دقيقة وتشخيص واقعي لاحتياجات المحافظة وأولوياتها. 

 

ونؤكد أن أي خطة مرحلية فاعلة يجب أن تقوم على تقييم شامل للوضع الراهن، وتحديد مكامن الخلل، ووضع مؤشرات أداء قابلة للقياس، مع ربطها بالإمكانات المتاحة والموارد الفعلية، لضمان تحقيق نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية. 

 

ونلفت النظر هنا على أن نجاح خطة الـ100 يوم لا يعتمد فقط على سرعة إعدادها، بل على وضوح منهجيتها، ومدى تكاملها مع الخطط الاستراتيجية طويلة الأمد، بحيث لا تكون مجرد استجابة ظرفية، بل خطوة ضمن رؤية تنموية متكاملة. 

 

وفي هذا السياق، يبرز التساؤل الأهم: هل ستُبنى هذه الخطة على دراسات وخطط سابقة ومؤشرات واقعية، أم ستكون مجرد إطار زمني جديد لبرامج تقليدية؟ وهو ما سيحدد في النهاية مدى قدرتها على تحقيق الأثر المنشود واستعادة ثقة المواطنين. 

 

قال المحافظ : أؤكد أن أبين تفتح ذراعيها للمستثمرين؛ فهم ذراعنا القوي للنهضة، ونتعهد بتذليل كافة العقبات أمامهم وفق القانون.   

 

الملاحظة : في الوقت الذي يتم فيه التأكيد على أن محافظة أبين تفتح أبوابها للمستثمرين، يبرز تساؤل جوهري حول مدى جاهزية البيئة الاستثمارية على أرض الواقع، في ظل التحديات الأمنية التي لا تزال تُلقي بظلالها على النشاط الاقتصادي. 

 

فالمستثمر، بطبيعته، يبحث أولًا عن بيئة آمنة ومستقرة تضمن حماية رأس المال والعاملين، وهو ما يضع مسألة الأمن في صدارة الأولويات، قبل أي تسهيلات أو وعود. وتشير الوقائع إلى استمرار حوادث التقطعات وتهديد وسائل النقل واستهداف بعض المنشآت، الأمر الذي يبعث برسائل سلبية لأي مستثمر يفكر بالدخول إلى السوق. 

 

ولعل ما يتعرض له مصنع الوحدة للإسمنت في باتيس من اعتداءات متكررة على مركباته وكوادره، وإطلاق النار على منشآته، دون تقديم المتورطين للعدالة، يمثل نموذجًا واضحًا للتحديات القائمة، ويطرح تساؤلات حول فاعلية الإجراءات المتخذة لحماية الاستثمارات. 

 

إن ما يطلبه المستثمر في محافظة أبين لا يقتصر على التسهيلات الإدارية، بل يبدأ بضمانات حقيقية على الأرض، وفي مقدمتها: 

فرض الأمن والاستقرار بشكل فعلي، ووضع حد للتقطعات والاعتداءات. 

تفعيل دور الأجهزة الأمنية والقضائية ومحاسبة المتورطين دون استثناء. 

حماية المنشآت الاقتصادية والعاملين فيها باعتبارها ركيزة للتنمية. 

توفير بيئة قانونية واضحة ومستقرة تُطبق على الجميع بعدالة. 

بناء ثقة حقيقية من خلال أفعال ملموسة، لا وعود إعلامية فقط.  

إن الاستثمار لا يُبنى بالشعارات، بل بالثقة، والثقة لا تتحقق إلا عندما يشعر المستثمر أن القانون حاضر بقوة، وأن الدولة قادرة على حمايته وحماية مشروعه. 

وعليه، فإن تهيئة البيئة الجاذبة للاستثمار في أبين تبدأ من معالجة التحديات الأمنية القائمة بشكل جذري، لتتحول المحافظة من بيئة طاردة إلى بيئة جاذبة، قادرة على استقطاب رؤوس الأموال وتحقيق التنمية المنشودة.

قال المحافظ : كما لا يفوتنا أن نثمن عاليًا المشاريع القادمة لمحافظة أبين والدعم السخي من الأشقاء في المملكة العربية السعودية، الذين يقفون معنا دائمًا في خندق الدفاع والبناء والتنمية. 

 

الملاحظة : في الوقت الذي يُثمن فيه أي دعم يُقدم لمحافظة أبين، سواء من الأشقاء في المملكة العربية السعودية أو غيرها من الدول الشقيقة أو الصديقة ، نؤكد أن العبرة لا تكمن في حجم الدعم المُعلن، بل في مدى انعكاسه الفعلي على حياة المواطنين على أرض الواقع. 

 

فالتجارب السابقة تفرض تساؤلات مشروعة، خصوصًا فيما يتعلق بمصير عدد من المشاريع والدعم المالي الذي تم الإعلان عنه خلال فترات سابقة، بما في ذلك مشاريع مرتبطة بفعاليات مثل “خليجي 20”، إضافة إلى الودائع والمنح المقدمة لدعم الاقتصاد والخدمات. 

 

فالتحدي الحقيقي لا يتمثل في الحصول على التمويل، بل في كفاءة إدارته، ووجود آليات شفافة تضمن توجيهه نحو مشاريع مستدامة تخدم المواطن بشكل مباشر، بعيدًا عن الهدر أو التعثر. 

 

ان المواطن لم يعد يكتفي بسماع وعود عن مشاريع قادمة، بل يتطلع إلى نتائج ملموسة على الأرض: طرق تُنجز، خدمات تتحسن، فرص عمل تُخلق، وتنمية يشعر بها في حياته اليومية. 

 

وفي هذا السياق، تبرز أهمية الشفافية والمساءلة، من خلال توضيح مصير المشاريع السابقة، والإفصاح عن خطط تنفيذ المشاريع الجديدة، وآليات متابعتها، بما يعزز الثقة بين المواطن والسلطة. 

 

إن الدعم الخارجي يمثل فرصة حقيقية للنهوض، لكنه يظل مرهونًا بوجود إدارة فعالة قادرة على تحويله إلى إنجازات حقيقية، تترجم إلى واقع ملموس، لا مجرد أرقام تُذكر في التصريحات.

مقالات الكاتب