العالم يشيّد مستقبله ويفرح.. وبلادنا تبكي بلا دموع

عندما فكرت أن أكتب هذا المقال كانت في صدري غصة لم تعد تحتمل الصمت فحين أنظر حولي أرى العالم يسابق الزمن بخطوات عملاقة يبني مدناً في قلب الصحاري ويغزو الفضاء بالأقمار الصناعية التي تساعده في حياته ويحتفل بإنجازات جعلت من شعوبهم ذات قيمة كانت بالأمس مغمورة وأسماء يشار إليها بالبنان في المحافل الدولية كمثال لا الحصر “الرأس الأخضر” وكوراساو وهي دول صغيرة الحجم لكنها أثبتت وجودها في خارطة العالم من خلال إنجازها الرياضي بكأس العالم 2026 ففرحت شعوبها بينما نقف نحن هنا في وطن تاهت بوصلته نراقب هذا التقدم بحسرة لا توصف وما نعمله أننا نصفق لهم ونتذمر من أنفسنا

أما أهلنا وجيراننا بالإقليم  فهذا أمر آخر نرى مثل المملكة العربية السعودية الشقيقة تشهد تحولاً حضارياً وإعمارياً يسابق الضوء ونظام وقانون على الجميع أما أرض الكنانة جمهورية مصر العربية الشقيقة فهي الأخرى تسعى بكل جهد وإصرار لتطوير اقتصادها وبنيتها التحتية رغم كل التحديات واحتضان ملايين المقيمين من دول مختلفة وثقافات متعددة فضلاً عن عشرات الآلاف من السائحين الذين لا يتوقفون لزيارتها ونرى طموحاً يغزو المدى من تطور غير عادي بالمجالات التعليمية والثقافية وأهمها المتحف المصري الكبير والصحة من خلال تنظيم حملات صحية كل فترة وأخرى مجانية لحماية المواطنين من الأمراض المزمنة والتي تؤثر على حياتهم مع تقدم العمر ونرى شباباً يُبنى لهم المستقبل وخير دليل ما وصلت إليه مصر في بطولة كأس العالم الحالية إلى جانب تفوق لاعبيها بالألعاب الفردية.

بينما نحن نعيش مفارقة تدمي القلب، نملك شباباً ومواهب لكن لا يوجد مكان يحتضنهم لا مدارس تُبنى فيها أحلام ولا ملاعب تُصقل فيها المواهب ولا مستشفيات تحفظ كرامة الإنسان ولا نستطيع من أن نبنيهم البناء الصحيح لعدم وجود بنية تحتية ولدينا أجمل البحار وأغنى الثروات ومع ذلك يقف المواطن في سوقه ويشاهد شاحنات التبريد وهي تمر أمامه محملة بثروات بلاده بينما يبحث في “جيبه” عن ثمن رغيف خبز لأطفاله.

لقد كتب على جبيننا “حياتنا اليومية سجلاً للأزمات” لا نستطيع الهروب منها أستيقظ على صوت المولد الذي يرتجف كأنه يئن وأنام على صوت الظلام الذي يملأ البيت ولا أستطيع أن أفكر بشيء لعدم توفر الخدمات فلا تعليم يُبني عليه أمل ولا صحة تحفظ كرامة الإنسان وما يزيد الجرح عمقاً هو المشهد المتكرر ظاهرة حمل السلاح والسيارات المسلحة التي تجوب الشوارع والحشود المسلحة التي لا نعرف تتبع من والتي تتجمهر بين حين وآخر هذا المنظر الموحش لا يولد إلا الخوف ويطرد “عقول” الوطن فالكوادر المتعلمة والأطباء  والمهندسون والتجار الذين يمثلون شريان الحياة أصبحوا يشعرون بأن الوطن لم يعد بيئة آمنة لإبداعهم أو تجارتهم إن هذا الترويع المستمر هو السبب المباشر الذي يدفعهم نحو “الهجرة القسرية” بحثا عن أمان مفقود ليفرغ الوطن في النهاية من أغلى ما يملك أبناؤه المخلصون والعقول التي كان بإمكانها أن تنتشله من القاع إلى القمة.

لقد تحولت بلادنا إلى ساحة لاستعراض القوة بالجهل بدلاً من أن تكون ورشة للعمل والبناء فإنني أشعر بالخجل عندما يسألني غريب عن حال بلادي فأكتفي بهز رأسي وبكلمة “الحمد لله” وهي في حقيقتها ستر لعجزنا عن وصف حالنا لقد نشفت الدموع من كثرة الوجع واختفت من قلوبنا القدرة حتى على تصديق أن القادم أجمل نحن لا نطالب بمعجزات نحن فقط نحلم بوطن لا يجعلنا “ضيوفاً” على الفقر في أرض تفيض بالخير وطن لا نكون فيه غرباء ولا نكون فيه شهوداً على رحيل عقولنا وكفاءاتنا شهوداً على ضياع أعمارنا بين طوابير الوقود والبحث عن لقمة العيش وعدم رؤية طريق آمن لمستقبل أبنائنا.

إنها صرخة مواطن يرفض أن يموت الأمل في داخله صرخة تخرج من قلب وطن جفّت دموعه لكنه لا يزال ينتظر يوماً يرى فيه أبناءه يبنون ويفتخرون تماماً كما يفعل العالم من خلف شاشات هواتفهم هل هذا كثير على وطن كان يُسمى يوماً “أرض السعيدة..؟.

مقالات الكاتب