الخداع الإعلامي السعودي .. هل يحتاج إلى أن يُثنى عليه جوبلز؟

إن المتابع لوسائل الإعلام السعودي يدرك حجم التضليل والخداع الذي يُراد منه إعادة تشكيل الواقع، وإعادة تغليفه وتقديمه لشعب الجنوب في صورة جديدة، بإنجازات وتحولات خارقة، تتصدر عناوين الأخبار في القنوات والصحف والمغردين السعوديين.

 

الإخوة الأشقاء في السعودية، نحب أن نذكّركم أننا نعيش في القرن الواحد والعشرين، ومهما كانت نظريات جوبلز وبيرنيز وغيرهما، وتوظيف علم النفس وعلم الاجتماع في التأثير على الجمهور وتحويله إلى مفعولٍ به قابلٍ للخداع وخاضعٍ للتأثير والتلاعب، لا يزال ذلك سائدًا في أنحاء العالم حتى الآن.

 

لكن ما تمارسونه أنتم هو تضليلٌ لنخبكم، لتستمروا في الدوران داخل دائرةٍ مفرغة، ثم تنتظرون نتائج هذا الدوران منذ عشر سنوات. وأي نتائج ستأتي من دائرةٍ مفرغة؟ لا شيء، سوى أنكم أصبحتم تحت رحمة حزب الظلال الإرهابي وأحلام إعادة الماضي. ولأنها مجرد أحلام، لم يعد يؤمن بها حتى من يقدّمون لكم المشورة في إدارة الملف اليمني، الشائك بقدر ما يهمهم تحقيق جزءٍ يسير من إعادة السيطرة والنفوذ على الجنوب، والحصول على المزيد من الهبات التي تمنحونهم.

 

أما الشعب في الجنوب، فلم يزده هذا الخداع الإعلامي الذي تمارسه جميع وسائل إعلامكم إلا جراحًا تُضاف إلى تلك الجراح التي حفرتها صواريخ طيرانكم في أجساد الشهداء والجرحى، وفي قلوب أبناء شعب الجنوب، نتيجة الضربات الغادرة لأبطال قواتنا المسلحة الجنوبية في وادي وصحراء حضرموت.

 

أقدم طيرانكم في حضرموت على ارتكاب مجازر بشعة بحق قواتٍ حليفة، وأدخلتم قوات غازية من مأرب والجوف وحجة وعمران، وأطلقت وسائل إعلامكم عليها اسم "قوات درع الوطن الجنوبية" عليها زوراً.

 

المواطن الحضرمي يقرأ تسمية هذه القوات في إعلامكم على شاشة قنواتكم ووسائل اعلامكم ، من جواله، ويرى أمام عينيه انتهاكات ترتكبها القوات الغازية في الأسواق العامة وشوارع المدن في سيئون والوادي والمكلا وشبام والقطن وريان..الخ  وبينما هو يتجول في الأسواق يسمع أصواتًا غريبه عنه وعن ثقافته  يتعالى صراخها وهبوتطلاق الأعيرة النارية، وتقوم بمداهمة محلات تجارية لأبناء حضرموت ونهبها، ووصف ملاكها بالمرتزقة، وقلبه يشتعل غيظًا من الممارسات العنجهية التي تقوم بها هذه المليشيات الشمالية.

 

ثم يفتح جواله ليقرأ تغريدة لقناة الحدث والعربية، تصف حالات الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت التي حققتها قوات  هاشم الاحمر ورداد الهاشمي.. يعيد قراءة الخبر مرتين محاولًا التأكد، وسط ذهول وصدمة وقهر، وهو يردد: أي وقاحة هذه؟ أي عهر إعلامي هذا الذي يمارس الكذب والخداع والتضليل؟ اللعنة عليهم، وقلبه ينزف ألمًا وحسرة، ومن شدة الغضب يكاد يرمي بجواله في عرض أحد الأطقم المارة أمامه، وعلى متنها أفراد من أبناء حجة وعمران والجوف، وهي تحمل أعلام دولة الاحتلال اليمني.

 

يصل إلى منزله وهو في قمة الغضب والقهر،يتصفح الأخبار وينشر على حسابه في برامج التواصل تغريدة تلخّص المعاناة التي عاشها خلال يومه تنهال عليه التعليقات التي تبادله نفس المعاناة، ورأسه يكاد ينفجر لم يعد يستوعب ما يحصل، وكيف يُراد لنا من الإعلام السعودي  أن نصدق سردياتهم ونحن نعيش الواقع بكل مرارة ومعاناة، وألف سؤال يراوده: ماذا يريد هؤلاء منا؟ وكيف يتجرؤون على هذا الكذب والتزوير؟ أين الضمير الإنساني؟.


وقبل أن يغلق جواله، يقرأ تغريدة على حساب زميله المعروف بانتمائه الوطني وحبه وحرصه على وطنة الجنوب العربي ، مفادها أن الرئيس عيدروس الزبيدي يدعو شعب الجنوب إلى الخروج للاحتشاد بمليونيات الثبات والتصعيد الشعبي في مدينة المكلا والعاصمة عدن، يتنهد بعمق، ثم يشاركها مع أصدقائه وزملائه ومحبّيه، وينشرها على حساباته كما لو أنها تهاني عيدية، لا يتردد في المشاركة، ويقطع المسافات من سيئون والوادي والصحراء إلى المكلا للمشاركة في المليونية، وبالرغم من الاستفزازات الأمنية التي يتعرضون لها في النقاط الممتدة على طريق سيئون والوادي إلى المكلا، لمحاولة منعهم من الوصول، إلا أن المعاناة وتلبية الواجب الوطني تجعلانهم يتجاوزون كل التحديات.

 

يحتشد الملايين في مدينة المكلا وفي العاصمة عدن، وهم يرددون الهتافات، ويجددون فيها التفويض للرئيس عيدروس الزبيدي، رافضين الوصاية على شعب الجنوب، مطالبين باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة، مؤكدين رفضهم لأي حوارات مشبوهة تتم تحت الإجبار والوصاية، تحمل في ظاهرها عدالة القضية الجنوبية، وفي باطنها تهدف إلى تمزيق النسيج المجتمعي الجنوبي تمهيدًا للقضاء على القضية الجنوبية،يناشدون المجتمع الدولي للاستجابة لمطالب شعب في استعادة دولته، مؤكدين بأن القرار قرار شعب الجنوب، والشرعية شرعية الشعب، ولا صوت يعلو فوق إرادة وقرار وشرعية شعب الجنوب. وفي النهاية يستمعون إلى البيان الختامي للمليونية ليطمئنوا بأنهم أوصلوا رسالتهم للمجتمعين الإقليمي والدولي.

 

يعودون إلى منازلهم ليبدؤوا بنشر ما التقطته جوالاتهم لتوثيق الحشود المليونية وتبادل نشرها، ليستوقفهم عناوين إخبارية تنشرها قناة الحدث والعربية، سواء على حساباتها في برامج التواصل أو عبر شاشة التلفاز، مفادها أن الجماهير خرجت تأييدًا للحوار الذي دعت له السعودية، ويشكرون السعودية على دورها في رعاية الحوار. وبينما هم في وسط ذهول من التزييف الكاذب لما يسمعونه، إذا بصدمات تتوالى على مسامعهم من تلك القنوات وهي تقرأ بيانًا مزورًا للمليونية غير البيان الحقيقي.

 

هنا تغيّرت النظرة العامة للإعلام السعودي ليصبح في وجهة نظر شعب الجنوب بأنه لم يعد هناك أي فوارق بين التضليل الإعلامي السعودي واليمني، فبالنسبة للإعلام اليمني بكافة وسائله، فهو معروف بأنه إعلام احتلال بُني على الكذب والخداع والتزوير لكل ما يخدم سياستهم الاحتلالية للجنوب ..ولكن هذه المرة يُضاف إليه الإعلام السعودي الذي ينتهج نهج سياسة الإعلام اليمني تجاه الجنوب.

 

لقد أسقطت اللجنة الخاصة في ملف اليمن بالسعودية آخر رهانات القوة الناعمة في المملكة، وتساقطت رهاناتها كما تتساقط أوراق شجرة التوت، أمام تجربة شعب الجنوب كانت بمثابة دورة في "هندسة الجمهور وكيفية تأثير وسائل الإعلام على الأفكار والتصرفات"، كي يتسلح بالوعي في مواجهة الخداع الإعلامي الذي تشنه وسائل الإعلام السعودية، ونزع الثقة من كل ما تروج له من مسميات براقة وتخدير سياسي في حديثها عن عدالة قضية شعب الجنوب.

 

فكلها مجرد أكاذيب وخداع وتضليل إعلامي يُراد منه القضاء على قضية شعب بأدوات رخيصة لخدمة طموحاتها التوسعية بالشراكة مع قوى الاحتلال اليمني.

 

فهنا لا يحتاج الخداع الإعلامي السعودي إلى ثناء جوبلز، بل يحتاج إلى ثناء منظّري قوى الاحتلال اليمني للجنوب.


https://www.facebook.com/share/p/1Ft6gucY7P/

مقالات الكاتب