إغلاق السجون غير الشرعية: اعتراف متأخر أم محاولة لتصفية الحسابات؟

صدى الحقيقة : خاص

أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الدكتور رشاد العليمي، المقيم في السعودية، قرارًا بإغلاق السجون غير الشرعية في محافظات عدن ولحج والضالع، في خطوة وُصفت بأنها أول اعتراف رسمي من أعلى سلطة تنفيذية بوجود تلك السجون.

قراءة هذا القرار تتطلب تحليلًا سياسيًا وقانونيًا دقيقًا، خاصة في ظل التوقيت الحساس الذي جاء فيه. إليك أبرز النقاط التحليلية:

1- التوقيت : 

لماذا الآن؟ و تأخرٌ يثير التساؤلات، فإذا كان الرئيس العليمي على علم بوجود سجون غير شرعية منذ توليه المنصب في أبريل 2022، فلماذا صمت طوال هذه الفترة؟.

القرار في توقيته الحالي يبدو وكأنه محاولة لتحميل المجلس الانتقالي الجنوبي المسؤولية الكاملة عن هذه السجون، رغم أن العليمي نفسه يتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية بصفته رئيس مجلس القيادة. و الاعتراف لا يعفيه من المحاسبة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول صمته السابق.

 2- اعتراف رسمي بعد نفي طويل :

القرار هو إقرار لا لبس فيه وهذا التوجيه الرئاسي يُعد أول اعتراف رسمي بوجود سجون غير قانونية في المحافظات المحررة، وهو ما كانت تنفيه السلطات مرارًا.

هذا الاعتراف قد يشعل صراع نفوذ داخل الشرعية، خاصة إذا استُخدم القرار كأداة لتصفية حسابات سياسية.

3- البعد القانوني والحقوقي

تأخر صدور القرار حتى الان هو انتهاك صارخ للدستور و استمرار وجود سجون غير شرعية منذ أبريل 2022 يُعد انتهاكًا واضحًا للدستور اليمني وللقوانين الدولية لحقوق الإنسان.

هذا الوضع يضعف من مصداقية الدولة أمام المجتمع الدولي، ويحمّل رئيس مجلس القيادة مسؤولية مباشرة لا يمكن التنصل منها.

4- ردود الفعل المتوقعة

سيحظى القرار بترحيب مشروط ومراقبة دقيقة، حيث من المتوقع أن ترحب منظمات حقوق الإنسان بالقرار، لكنها ستطرح سؤالًا جوهريًا: لماذا الآن؟.

كما ستراقب هذه المنظمات التنفيذ الفعلي على الأرض، ومدى التزام الجهات الأمنية والقضائية بتطبيق القرار دون انتقائية.

5- استبعاد أبين : غياب أم تغافل؟

ما يثير التساؤل في القرار هو الاستبعاد اللافت لمحافظة أبين من قائمة المحافظات التي شملها توجيه إغلاق السجون غير الشرعية.

و محافظة أبين، تاريخيًا، كانت واحدة من أكثر المحافظات التي شهدت نشاطًا للجماعات المسلحة، بما في ذلك تنظيم القاعدة، كما أنها ساحة نفوذ متداخلة بين قوى متعددة، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي وقوات الشرعية.

و استبعادها من القرار يثير التساؤلات ومنها : هل هو تغافل متعمد لتجنب صدام مع قوى نافذة في المحافظة؟
أم أن هناك ترتيبات سياسية غير معلنة يجري التحضير لها، ويُراد من خلالها كسب ودّ بعض الأطراف؟

أم هي رسائل سياسية مبطنة، قد يُفهم من هذا الاستبعاد أن الرئيس العليمي يسعى إلى إعادة تموضع سياسي ، عبر إرسال إشارات طمأنة إلى بعض الخصوم أو الحلفاء داخل محافظة أبين ، خصوصًا في ظل تصاعد التوترات داخل مجلس القيادة.

فهل يسعى العليمي إلى كسب ودّ أطراف في أبين؟

أم هل هناك تفاهمات غير معلنة مع قوى محلية في المحافظة؟

أم أن القرار تمهيد لخطوات لاحقة قد تشمل أبين في توقيت مختلف؟


أم هي حسابات النفوذ والتوازنات إذ لا يسبعد أن يكون القرار جزءًا من لعبة توازنات دقيقة داخل مجلس القيادة، حيث يُراد من خلاله توجيه الاتهام الضمني للانتقالي، مع تحييد أطراف أخرى مرحليًا، بانتظار لحظة سياسية مناسبة.

وربما لدى العليمي أوراق لم تُكشف بعد؟ والاحتمال وارد، فالرئيس العليمي قد يحتفظ بـ"مفاجآت" سياسية أو إعلامية، يستخدمها في الوقت المناسب، إما للضغط على خصومه أو لإعادة ترتيب المشهد داخل المحافظات الجنوبية.

استبعاد أبين من قرار إغلاق السجون غير الشرعية ليس تفصيلًا عابرًا، بل يحمل دلالات سياسية عميقة.
قد يكون محاولة لطمأنة بعض الأطراف، أو خطوة تكتيكية ضمن مسار تفاوضي أوسع، أو حتى تمهيدًا لمفاجآت قادمة في ملف السجون والانتهاكات.

لكن في كل الأحوال، العدالة لا تُجزأ ، وإذا كان الهدف هو استعادة هيبة الدولة، فلا بد أن يشمل القرار كل المحافظات دون استثناء، وألا يُستخدم كأداة لتصفية الحسابات أو كسب الولاءات.


قرار إغلاق السجون غير الشرعية خطوة مهمة، لكنها جاءت متأخرة، وتثير تساؤلات حول دوافعها الحقيقية. ونجاح القرار مرهون بوجود إرادة سياسية صادقة، وتعاون فعلي بين الأجهزة الأمنية والقضائية، إلى جانب رقابة حقوقية مستقلة.


أما إذا كان القرار مجرد استجابة لضغوط خارجية أو محاولة لإلقاء اللوم على الخصوم، فلن يتجاوز كونه بيانًا للاستهلاك الإعلامي، لا أكثر.