مليونية عدن تُسقط مخطط لتحويل السعودية من شريك إلى قوة وصاية

صدى الحقيقة : خاص

في مشهد جماهيري غير مسبوق، تدفق الملايين من أبناء الجنوب إلى ساحة العروض في عدن، ليعبروا بصوت واحد عن رفضهم القاطع لمحاولة تحويل دور المملكة العربية السعودية من شريك في تحرير الجنوب إلى طرف يسعى لفرض الوصاية عليه.

لم تكن هذه الحشود الغفيرة مجرد تعبير عن الغضب، بل جاءت بمثابة استفتاء شعبي واضح، أسقط كل محاولات الالتفاف على إرادة الجنوبيين، وكشف عن حجم الاستياء المتراكم من سياسات الشقيقة الكبرى منذ أواخر عام 2025 وحتى اليوم.

فقد دخلت المملكة إلى الجنوب ضمن إطار التحالف العربي، في معركة مصيرية ضد المشروع الإيراني الحوثي المدعوم من جماعة الإخوان، والذي استهدف الجنوب كمنصة لتهديد أمن المملكة والمنطقة. 

وقدّم الجنوبيون و حلفائهم من بينها السعودية تضحيات جسيمة في تلك المعركة، وكانوا شركاء حقيقيين في التحرير. لكن ما تلا ذلك مثّل انحرافاً خطيراً، حيث بدأت الشقيقة الكبرى ، نتيجة استدراج سياسي معقّد، باتباع سياسات تتنافى مع مبدأ الشراكة، وتتماهى مع أدوات الاحتلال اليمني، عبر فرض الوصاية ومحاولة التحكم بالقرار الجنوبي السيادي، تحت غطاء الشرعية وإعادة التوازن.

ما يجري اليوم في الجنوب لم يعد مجرد خلاف في الرؤى، بل هو نتيجة مباشرة لمخطط إيراني-حوثي-إخواني يستهدف تفكيك التحالف العربي من الداخل، عبر تعطيل معركة تحرير الشمال، وتحويل بوصلة الحرب نحو الجنوب والمملكة، في محاولة لمقايضة أمن المملكة بتمكين الحوثيين من ثروات الجنوب. وقد لعبت دول مجاورة دوراً في تمرير هذا المخطط سياسياً، بينما تولى العليمي تنفيذه باسم الشرعية.

وفي هذا السياق، يثمّن الجنوبيون الموقف الإماراتي الذي سعى لإفشال هذا المخطط عبر تحريك الجبهات ضد الحوثي، في مقابل مسار آخر استُدرجت فيه الشقيقة الكبرى إلى خطوات خطيرة، شملت استهداف القوات المسلحة الجنوبية، ومحاولات إعادة هيكلة الجنوب عسكرياً لصالح قوى ذات ولاءات مزدوجة، وإقصاء قيادة المجلس الانتقالي الجنوبي، وعلى رأسها الرئيس القائد عيدروس الزبيدي، وصولاً إلى تهديدات مباشرة واستهدافات عسكرية.

منذ نهاية 2025، شهد الجنوب تصعيداً ممنهجاً في التدخلات السياسية والعسكرية، شمل تفريغ مؤسساته وتعطيل إرادته الوطنية، واستخدام الأزمات المعيشية كأداة ضغط، في إطار أجندات لا تمت لتضحيات الجنوبيين ولا لأمن المنطقة بصلة.

إن ما يرفضه الجنوبيون اليوم ليس التعاون مع المملكة، بل محاولات فرض الهيمنة تحت غطاء الدعم، وتحويل تضحياتهم إلى غطاء لمشاريع نفوذ إيرانية أو إخوانية تُدار بأدوات محلية. فالشراكة الحقيقية تقوم على الندية والاحترام، لا على إعادة إنتاج السيطرة بأقنعة جديدة.

لقد وجهت المليونية رسالة واضحة: الجنوب ليس ساحة مستباحة ولا ورقة تفاوض، وأي طرف يتجاوز إرادة شعبه أو يتعامل مع أرضه كثروة قابلة للمقايضة، يضع نفسه في خانة الاحتلال مهما غيّر من شعاراته.

الشعب الجنوبي الذي أسقط مشاريع الاحتلال بالأمس، قادر اليوم على إسقاط أي محاولة جديدة للهيمنة، وهو أكثر وعياً وتصميماً على حماية سيادته وحقه في تقرير مصيره.

وما يُطلب من المملكة اليوم هو أن تعيد تقييم ما جرى، وتستعيد موقعها كحليف صادق وشريك حقيقي للجنوب، قبل أن يُترجم استدراجها إلى مواقف تخدم خصومها وخصوم الجنوب معاً.