من أعراف الجاهلية إلى نظام الشريعة .. " الوفادة " و أثرها في تأسيس الدولة الإسلامية

تناول نائب وزير الأوقاف والإرشاد "أنور العمري" في مقال تحليلي منشور اليوم، تطور مفهوم "الوفادة" من كونها عُرفاً قبلياً في الجاهلية إلى نظام شرعي متكامل أرسى دعائمه الإسلام لتنظيم العلاقات بين الأمم والشعوب.

وأوضح " العمري" أن العرب في الجاهلية اتخذوا الوفادة وسيلة لتمثيل القبائل وعقد الأحلاف وتسوية النزاعات، وكان يُختار لها "ذوو الرأي والحكمة والفصاحة" لما لها من أثر على مكانة من يمثلونهم.

وبيّن" أن الإسلام لم يُلغ هذا العرف بل "هذّبه وأخضعه لأحكام الشريعة"، مستشهداً بسياسة النبي ﷺ في "عام الوفود" حين استقبل وفود القبائل وأكرمهم وحاورهم بالحكمة، وهو ما ساهم في توطيد الدولة الإسلامية وتوسيع علاقاتها.

واستدل" العمري "بالآية الكريمة ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ وبحديث النبي ﷺ لرسولي مسيلمة، مؤكداً أنها "أصل في حماية الرسل والوفود" سبقت المواثيق الدولية المعاصرة بقرون.

وخلص المقال إلى أن الوفادة في الإسلام لم تعد مجرد تقليد قبلي، بل أصبحت "نظاماً شرعياً يجسد سمو الشريعة في صيانة الحقوق وإرساء قيم العدل والوفاء والاحترام المتبادل بين الأمم".


اليكم النص كاملاً :

الوفادة في الإسلام والجاهلية: من الأعراف القبلية إلى أحكام الشريعة

تُعدّ الوفادة من أبرز الظواهر السياسية والاجتماعية التي عرفها العرب في الجاهلية، إذ كانت وسيلةً لتمثيل القبائل، وعقد الأحلاف، وتسوية النزاعات، واسترداد الحقوق، والتفاوض في السلم والحرب. ولما كانت تعبّر عن إرادة أقوامها ومكانتهم، كان اختيار أعضائها يقتصر على ذوي الرأي والحكمة والفصاحة؛ لأن نجاحهم أو إخفاقهم ينعكس على مكانة من يمثلونهم.
ولم يأتِ الإسلام بإلغاء هذا العرف، وإنما هذّبه وأخضعه لأحكام الشريعة، فانتقلت الوفادة من إطار الأعراف القبلية إلى نظامٍ شرعي يقوم على الوفاء بالعهود، واحترام الرسل والمبعوثين، وتنظيم العلاقات على أسس العدل والمصلحة.
وقد تجلّى ذلك في سياسة النبي ﷺ، ولا سيما في عام الوفود، حين استقبل وفود القبائل العربية، فأكرمهم، وأحسن وفادتهم، واستمع إليهم، وحاورهم بالحكمة. والموعظة الحسنة .وكان نهجه ﷺ في استقبالهم، والاستماع اليهم وحفظ سلامتهم حتى عودتهم إلى مأمنهم، من أبرز أسباب توطيد الدولة الإسلامية، وتوسيع دائرة علاقاتها، وترسيخ الثقة بعدلها.
وأرست الشريعة الإسلامية للوفود حقوقًا ثابتة، في مقدمتها ، حسن استقبالهم وإكرامهم، والوفاء بما يُبرم معهم من عهودٍ مشروعة، امتثالًا لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: 6].
فالآية الكريمة أصلٌ في حماية الرسل والوفود، إذ قررت لهم حقَّ الأمان، وأوجبت إيصالهم إلى مأمنهم بعد أداء مهمتهم. كما قال النبي ﷺ لرسولي مسيلمة: «لولا أن الرسل لا تُقتل لضربت أعناقكما»، وهو أصلٌ استنبط منه الفقهاء وجوب صيانة الرسل والمبعوثين، وتمكينهم من أداء رسالتهم حتى يبلغوا مأمنهم. وقد أقرت المواثيق الدولية المعاصرة والأعراف الدبلوماسية هذه المبادئ، بعد أن قررتها الشريعة الإسلامية بقرون.
وفي المحصلة، لم تكن الوفادة في الإسلام امتدادًا للأعراف القبلية فحسب، بل أصبحت نظامًا شرعيًا متكاملًا، يجسد سمو الشريعة الإسلامية في تنظيم العلاقات، وصيانة الحقوق، وإرساء قيم العدل، والوفاء، والاحترام المتبادل بين الأمم.