أزمة الكهرباء مجدداً.. لأن المشكلة اكبر من الوقود و150 مليون دولار

أزمة انقطاعات الكهرباء الطويلة اصبحت اعمق من مجرد شحنة وقود وصلت او اخرى تأخرت. واكثر ما يكشف قسوتها هو معاناة المواطنين في عدن وسائر المناطق المحررة مع التأخير في الحل، حيث تحولت الوعود والتبريرات والاتهامات المتبادلة الى اسطوانة مشروخة يعرفها المواطن جيداً: مرة يكون السبب نقص الوقود، ومرة اعطال المحطات، ومرة تأخر التمويل او تعثر الإجراءات. لكن الواقع يقول إن الأزمة باتت اكبر واشمل.

لا احد ينكر اهمية توفير النفط الخام او المازوت او الغاز لتشغيل المحطات، لكن اختزال المشكلة في الوقود وحده يعني تجاهل بقية اجزاء الصورة. فالكهرباء ليست وقوداً فقط، بل منظومة متكاملة تبدأ بالتوليد ولا تنتهي عند شبكات النقل والتوزيع والصيانة والتخطيط والإدارة الرشيدة للموارد. حتى الدعم الذي قدمته المملكة العربية السعودية مشكورة بقيمة 150 مليون دولار، ورغم اهميته، لا يمثل سوى نحو 10% من الكلفة التقديرية المطلوبة للحل الشامل للأزمة، وهي كلفة قد تتجاوز المليار دولار بكثير عند احتساب احتياجات التوليد والنقل والتوزيع وتحديث البنية التحتية.

ومع ذلك، فإن جوهر المشكلة لا يكمن في حجم التمويل وحده، بل في كيفية إدارته وتوظيفه. فخلال سنوات الحرب وحتى اليوم انفقت الحكومات المتعاقبة مليارات الدولارات على الوقود والطاقة المستأجرة والحلول المؤقتة، لكن النتيجة كانت استمرار الأزمة نفسها دون بناء منظومة كهرباء مستدامة او تحديث حقيقي للبنية التحتية. ومن هنا يبرز السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: اين ذهبت نتائج كل تلك النفقات؟ ولماذا ما تزال المدن تعيش الأزمة ذاتها بل بصورة اكثر حدة؟ الحقيقة التي يتفق عليها كثير من المختصين أن المشكلة ليست مالية فقط، بل إدارية وتخطيطية بالدرجة الأولى. فجزء من تلك الأموال لو وجه نحو بناء محطات حديثة وتطوير الشبكات وتأهيل البنية التحتية لكان الوضع مختلفاً اليوم.

ان أزمة الكهرباء لم تعد مجرد أزمة خدمية فحسب، بل تحولت تدريجياً الى أزمة ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة. فحين تتكرر الوعود دون نتائج ملموسة، وتتواصل المعاناة عاماً بعد آخر، يبدأ المواطن بالتشكيك في قدرة الجهات المعنية على إدارة الملفات الأساسية او الوفاء بالتزاماتها. ومن هنا فإن معالجة ملف الكهرباء لم تعد مرتبطة فقط بتحسين خدمة عامة، بل اصبحت جزءاً من استعادة الثقة بالدولة وتعزيز حضورها وفاعليتها في حياة المواطنين.

لهذا فإن السؤال الاهم لم يعد: كم نحتاج من المال؟ بل: كيف يدار المال؟ فمشروع بقيمة مليار دولار يدار بكفاءة وشفافية قد يحقق نتائج افضل من ثلاثة مليارات دولار تبتلعها العشوائية او الفساد او غياب الرؤية.

إن إنهاء أزمة الكهرباء يتطلب الانتقال من سياسة إدارة الأزمة الى سياسة حل الأزمة. ويتطلب برنامجاً متكاملاً يشمل تأهيل المحطات القائمة، واضافة قدرات توليد جديدة، وتحديث الشبكات، وتقليل الفاقد، والتوسع في مشاريع الطاقة المتجددة، وفرض نظام عادل للتحصيل والرقابة.

وفي الوقت نفسه، لا يمكن تجاهل أن اليمن، بحكم موقعه الاستراتيجي المطل على واحد من اهم الممرات البحرية في العالم، ظل محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية، وأن استقرار البلاد ليس مصلحة يمنية فحسب بل مصلحة إقليمية ودولية أيضاً. ومن هذا المنطلق، فإن دعم قطاع الكهرباء والبنية التحتية والخدمات الأساسية يجب أن يكون جزءاً من رؤية اوسع لمساندة اليمن في تجاوز أزماته المتراكمة. وقد يكون من المفيد التفكير في مؤتمر دولي للمانحين يخصص لدعم مشاريع البنية التحتية والتنمية المستدامة، شريطة أن يقترن ذلك بإصلاحات مؤسسية واضحة وآليات شفافة تضمن توجيه الموارد نحو مشاريع استراتيجية تحقق نتائج ملموسة للمواطنين.

قد تبدو الكلفة كبيرة، لكن كلفة استمرار الانهيار اكبر بكثير. فالكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل اصبحت شرطاً للحياة الكريمة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. وما يحتاجه المواطن اليوم ليس مزيداً من التبريرات، بل رؤية واضحة وإرادة جادة تضع حداً لمعاناة طال امدها، وتحول الكهرباء من ملف أزمات موسمية الى مشروع دولة ومستقبل

مقالات الكاتب